الإغتراب وجدلية الفرد والمجتمع

أبرز النقاط

  • الفرد نتاج اجتماعي وتاريخي: لا توجد، وفق المنظور الذي يعرضه المقال، ذات إنسانية مكتملة خارج المجتمع؛ فالفرد يتشكل داخل علاقات اجتماعية ومادية لم يختر بداياتها بنفسه.
  • الاغتراب ليس مجرد إحساس نفسي: جوهره أن تتحول الأشياء والعلاقات التي يصنعها الإنسان إلى قوى مستقلة عنه، فتفرض سلطتها عليه بدلاً من أن يسيطر هو عليها.
  • الاغتراب يتجاوز المصنع والعمل: وسعت مدرسة فرانكفورت ولوفيفر المفهوم ليشمل الثقافة والاستهلاك والإعلان والعقل الأداتي وتفاصيل الحياة اليومية، أي إن الاغتراب قد يُعاد إنتاجه في المنزل والشارع بقدر ما يُنتج في مكان العمل.
  • حرية الفرد مرتبطة بشروط المجتمع: الخلاصة المركزية للمقال أن تحقيق الفرد لذاته لا يقتضي الانفصال عن الجماعة ولا الذوبان فيها؛ بل يتطلب تغيير الشروط الاجتماعية التي تعوق تحقق الفرد والجماعة معاً. ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يحقق الإنسان فرديته الكاملة داخل مجتمع هو نفسه شرط تكوّن تلك الفردية؟

حين يسأل الفلاسفة عن الفرد، فإنهم عادة ما يفترضون وجوده مسبقاً ككيان كامل ينتظر أن يُوصَف. إلا أن ماركس يرفض هذا الافتراض من جذوره. ففي كتابه "الأيديولوجيا الألمانية" كما ينقل هنري لوفيفر في قراءته لهذا النص، يكتب ماركس أن "مجموع القوى المنتجة والعلاقات الاجتماعية" التي يجدها كل فرد عند ولادته "كشيء معطى" هو الأساس الواقعي لما تخيله الفلاسفة جوهراً إنسانياً مجرداً سابقاً على كل تجربة تاريخية، أو كما يمكن القول ليس هناك "إنسان" بمعنى أزلي ثابت يسبق المجتمع ثم يتأثر به من الخارج، وذلك لأن الفرد نفسه، بكل ما يحمله من قدرات وحاجات، نتاج تاريخي يتشكل داخل شبكة علاقات إنتاج محددة لم يخترها ولم يسبقها وجوده، وهذا الطرح ليس هامشياً في فكر ماركس، بل هو نقطة انطلاق منهجية؛ فأي محاولة لفهم الفرد بمعزل عن شروطه المادية، مهما بدت دقيقة إلا أنها تقع في الوهم ذاته الذي يحاول ماركس تفكيكه.

يوجه هذا الموقف ضربة مباشرة لكل محاولة تفصل الفرد عن سياقه المادي، وأبرز مثال يناقشه هنري لوفيفر في كتابه "المادية الجدلية" هو ماكس شتيرنر الذي طرح فكرة الفرد (الفريد) بوصفه ذاتاً مطلقة تتحرر من كل قيد اجتماعي بمجرد أن تعي ذاتها، بينما يرفض كل ماركس هذا التصور جذرياً، وذلك لأن الفرد المنعزل "ليس إلا تجريداً تماماً كالإنسان عموماً"، كما ينقل لوفيفر عن الأيديولوجيا الألمانية؛ حيث لا وجود لذات تسبق شبكة العلاقات التي تشكلها، ولا وجود لخلاص فردي يتحقق بمجرد إعلان الوعي عن استقلاليته عن محيطه، فهذا الرفض لا يعني إلغاء الفرد لصالح الجماعة بمعنى تذويبه فيها، بل نقل السؤال من مستوى الوعي المجرد المعزول إلى مستوى الشروط الفعلية التي من المفترض أن يعيش فيها الأفراد الحقيقيون، بتناقضاتهم وصراعاتهم الملموسة. فالفرد هو الحر داخل جماعة حرة، وأي غاية تاريخية لا معطى جاهزاً في البداية.

من هذا الموقف يصوغ كارل ماركس مفهوم الاغتراب بمعزل عن أي دلالة نفسية أو أخلاقية نعرفها كما تُستخدم الكلمة أحياناً في السياق اليومي، وذلك لأن الاغتراب ليس شعوراً يعتري الفرد حين يحس بالوحدة أو الغربة الذاتية، بل هو بنية موضوعية تنشأ حين تتحول نتاجات النشاط الإنساني إلى قوة غريبة تواجه صاحبها وتسيطر عليه من خارجه، وتنشأ أيضاً المصالح الطبقية وتكتسب استقلالاً عن الأفراد الذين أنتجوها فعلياً بعملهم وتفاعلهم، فتبدو لهم "أسمى من فرديتهم الخاصة" وتدخل معهم في نزاع حقيقي لا وهمي. وعندما يصبح المُنتَج سيداً على منتجه الأصلي، هو جوهر ما يسميه ماركس "تشيؤ" العلاقات الاجتماعية، وهذا بسبب قوة اجتماعية تبدو للفرد "أمراً عيّنياً" خارجياً، رغم أنها في حقيقتها البنيوية نتاج طبقته هو ذاتها. والاغتراب بهذا المعنى ليس استثناءً عارضاً يصيب أفراداً بعينهم دون غيرهم، بل هو حالة عامة تسم المجتمعات المنقسمة إلى طبقات في كل أطوارها التاريخية المعروفة حتى الآن.

الإنسان الذي تحتضن حياته "دائرة واسعة من أنواع النشاط المتباينة" ومن الاتصالات العملية المتعددة بالعالم من حوله يحافظ على وحدة فكره مع تجلياته الحيوية الأخرى، فلا يحتاج "انعطافات معقدة" للانتقال من التفكير إلى أي تجلٍ حيوي آخر يمارسه. أما من ينحصر نشاطه، كما يصف هنري لوفيفر حالة الكاتب أو المدرس، في عمل مضن من جهة وفي كبت للفكر من جهة أخرى، وتُختزل روابطه بالعالم إلى الحد الأدنى، فإن فكره يصبح "مجرداً مثلما هو حياته مجردة" بالضرورة. وهنا يتضح أن الاغتراب ليس عارضاً يصيب البعض بالمصادفة الفردية، بل نتيجة مباشرة لتقسيم العمل الذي يمزق الفرد بين وظيفة ضيقة محددة سلفاً يؤديها وبين إمكاناته الأوسع التي لا تجد مجالاً حقيقياً للتحقق أو الظهور. وهذا التمزق ليس قدراً نفسياً فردياً بل نتاج بنية اجتماعية قابلة للتغيير.

يذهب لوفيفر أبعد من ذلك حين يصف الفردية المجردة، أي الأنانية التي تظن نفسها متحررة تماماً من كل قيد خارجي، بأنها تنتج مفارقتها الخاصة؛ حيث يتحول الإنسان بحسب هذا التوصيف، إلى ما يشبه "رقيب" يراقب التفكير في كل حركة من حركات الجسد والروح دون هوادة، وهذه الصورة تكشف أن الفردانية المطلقة، حين تُفصل تماماً عن سياقها الاجتماعي الفعلي، لا تحرر صاحبها كما تدّعي، بل تحبسه في رقابة ذاتية مضاعفة، إذ ينقسم على نفسه بين فرد يعيش غرائزه الطبيعية المباشرة وفرد يراقبه من الداخل بلا انقطاع، وهذا الانقسام الداخلي، كما يتحدث عنه هنري لوفيفر ليس نتاج طبيعة بشرية ثابتة أو محتومة أزلياً، بل هو تعبير محدد تاريخياً عن أنانية البرجوازية الصغيرة تحديداً، التي تحول كل رغبة إنسانية إلى حساب مصلحة معزول عن باقي نسيج الوجود الاجتماعي المشترك الذي يحيط بالفرد.

ومسألة الوعي الفردي أو القرار الأخلاقي المنعزل الذي يتخذه فرد بمفرده مهما بلغ صدقه، يتطلب فاعلاً اجتماعياً يعاني الحرمان والتشيؤ إلى "أقصى درجة" ممكنة، بحيث يصبح تجاوز الاغتراب ضرورة عملية ملحة لا اختياراً أخلاقياً اختيارياً بين بدائل متكافئة، كما ينقل لوفيفر عن الأيديولوجيا الألمانية، أن هذا الفاعل بوضوح تام هو البروليتاريا الحديثة التي تقدر وحدها على تجاوز الاغتراب "بشكل عملي" على مستوى الممارسة الاجتماعية والسياسية الفعلية لا النظرية فحسب، هذا التحديد يغلق الباب أمام أي حل فردي أو أخلاقي محض منعزل عن السياق؛ فلا يتحرر الفرد بمعزل عن تحول جماعي حقيقي في شروط الإنتاج ذاتها، لأن الاغتراب بنية اجتماعية موضوعية لا عيب شخصي أو نفسي يمكن علاجه بمعزل عن محيطه.

وقد انتقل هذا الإرث الفكري إلى القرن العشرين عبر مدرسة فرانكفورت، التي تأسست عام 1923 بوصفها معهداً للبحث الاجتماعي ملحقاً بجامعة غوته في فرانكفورت، بتمويل من فيليكس فايل الذي أراد تخصيص جزء من ثروة والده لدراسة المجتمع الألماني من منظور ماركسي منهجي، وقد تولى ماكس هوركهايمر إدارة المعهد عام 1930 خلفاً لكارل غرونبرغ، موجهاً اهتمامه نحو تكامل بيني بين العلوم الاجتماعية يتجاوز الفصل الجامد بين البنية الاقتصادية والبنية الفوقية الأيديولوجية الذي أخذه على قراءات الماركسية الأرثوذكسية السائدة آنذاك، فقد جمع هذا الاتجاه الجديد بين النقد الاقتصادي والتحليل النفسي الفرويدي، إذ سعى إريك فروم إلى توفير ما وصفه بعض دارسي المدرسة بـ"الحلقة المفقودة" بين البنية الفوقية الأيديولوجية والقاعدة الاجتماعية الاقتصادية، محاولاً فهم كيف يتشكل الوعي الفردي داخل بنية القمع الاجتماعي لا بمعزل تام عنها كما افترضت قراءات سابقة.

طور هوركهايمر منهجاً جدلياً يرفض الثنائيات الجامدة كالفصل الحاد بين الوعي والوجود، أو بين النظرية والممارسة العملية، ولم يكن هذا الجدل عنده مبدأً ميتافيزيقياً مجرد كما عند هيجل، ولا ممارسة تاريخية محضة بالمعنى اللينيني الصارم، بل كان أداة منهجية لتفكيك التصنيفات الجامدة التي تحبس الفكر داخل معسكرين متقابلين بلا وساطة بينهما، وهذا التوجه اتضح أكثر بعد هجرة المعهد إلى نيويورك عقب استيلاء النازية على السلطة عام 1933، حين اجتمع هوركهايمر وثيودور أدورنو على إعادة قراءة الجدل الهيغلي وربطه بدراسة النزعات اللاعقلانية التي تنتج الطاعة والهيمنة الشعبية للأنظمة الشمولية، وتُوّج هذا التعاون الفكري بكتابهما المشترك "جدل التنوير" الصادر عام 1947، الذي يوسّع سؤال الاغتراب الماركسي الأصلي من علاقة العامل بمنتجه المباشر إلى علاقة العقل الحديث بأكمله بالطبيعة من حوله وبذاته الداخلية أيضاً.

ولعل هذا التوسع يكشف لنا أن مفهوم "الاغتراب" عند الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، لم يعد محصوراً في فضاء المصنع أو علاقة الأجر المباشرة وحدها، بل امتد ليشمل بنية العقل الأداتي ذاته، ذلك العقل الذي يختزل كل شيء يواجهه، بما فيه الطبيعة والإنسان نفسه، إلى مجرد موضوع قابل للسيطرة والحساب الكمي، فهذا الامتداد لم يكن قطيعة كاملة مع فكر

كارل ماركس بقدر ما كان محاولة جادة لتفسير لغز واجهه الجيل الأول من الماركسيين الغربيين بعد الحرب وهو كيف نجت الرأسمالية من الانهيار الذي توقعته النظرية الكلاسيكية الأولى، بل كيف أنتجت أصلا أشكالاً جديدة من الطاعة الطوعية تتجاوز حتى القمع المباشر الصريح؟ وكان الجواب - بحسب هذا التيار - يكمن في دراسة كيف يعاد إنتاج الهيمنة داخل بنية الشخصية الفردية ذاتها، لا فقط عبر علاقات الملكية الظاهرة التي حللها ماركس في سياقه التاريخي المحدود بزمانه، وهربرت ماركيوز العضو البارز في مدرسة فرانكفورت، الذي طور هذا الخط عبر مفهومه عن "الدكتاتورية التربوية" في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" الصادر عام 1964، محاولاً تصور استراتيجية للتقدم المادي تخدم غاية أسمى من مجرد الخير المشترك المجرد، غير أن ثيودور أدورنو، على خلاف حماس ماركيوز العلني لانتفاضات الطلاب في ستينيات القرن الماضي، قد حافظ على موقف أكثر تحفظاً وشكاً منهجياً تجاه إمكانية النجاح السياسي الفوري لهذه الحركات، فهذا التباين نفسه بين الرجلين يعكس التوتر الداخلي الذي ميز المدرسة بأكملها، وهو هل يكفي فضح آليات الاغتراب نظرياً وثقافياً، أم يستوجب الأمر فعلاً سياسياً مباشراً وفورياً لتجاوزه فعلياً؟ وقد نشر ثيودور أدورنو عام 1966 كتابه "الجدل (الديالكتيك) السلبي"، محافظاً فيه على فكرة الجدل المفتوح وغير النسقي الذي يرفض كل مصالحة نهائية زائفة بين النقيضين المتصارعين، تماماً كما رفض ماركس قبله أي تصالح مع الاغتراب لا يمر إلا عبر تحول فعلي حقيقي في العلاقات الاجتماعية القائمة.

أما المسار الثاني الذي طور مفهوم الاغتراب في القرن العشرين، فقد سلكه الفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر عبر مدخل مختلف تماماً في طبيعته، وهو الحياة اليومية بتفاصيلها الصغيرة. فقد نشر هنري لوفيفر عام 1933 بالاشتراك مع نوربرت غوتيرمان كتاباً بعنوان "ملاحظات من أجل نقد الحياة اليومية"، ثم أطلق عام 1947 مشروعه الأوسع الذي حمل عنوان "نقد الحياة اليومية"، وهو عمل وصفه بنفسه، كما يُروى عنه، بأنه "بلا بداية ولا نهاية"، واستمر تأليفه بأجزاء متعاقبة حتى عام 1981. اختار لوفيفر أن يبحث عن الاغتراب لا في المصنع وحده كما فعل التحليل الماركسي الكلاسيكي، بل في أدق تفاصيل الحياة المعاشة يومياً؛ في المنزل، في الشارع، في اللحظة العابرة التي يستهلك فيها الفرد منتجاً معلناً عنه دون أن يعي أنه يعيد إنتاج علاقة استلاب مضاعفة تخصه هو تحديداً.

ويُروى عن لوفيفر في محادثاته المنشورة مع كلود غلايمان أن مفهوم "الحياة اليومية" تبلور له في لحظة بسيطة عابرة، حين دخلت زوجته الغرفة التي كان يعمل فيها حاملة علبة منظفات وهي تصرخ معلنة أن هذا "منتج ممتاز"، هذه الحادثة العابرة في ظاهرها ظهرت له فوراً، بحسب ما يُنسب إليه، بوصفها ظاهرة اجتماعية معقدة تمثل الاغتراب المزدوج الذي تنتجه حالة ربة المنزل من جهة، والخطاب الإعلاني الموجَّه من جهة أخرى في آن واحد. وهذا المثال إن صحت روايته، يكشف منهج لوفيفر بأكمله بوضوح فليس الاغتراب عنده حدثاً كبيراً يقع في لحظة ثورية استثنائية أو انهيار اقتصادي مفاجئ، بل هو بنية متكررة تسكن أبسط الأفعال اليومية العادية، من شراء سلعة إلى تكرار طقس منزلي بسيط، دون أن يلحظها أحد عادة بوصفها اغتراباً حقيقياً أصلاً.

الا أن لوفيفر يصر مخلصاً لمنهجه الجدلي المتجدد باستمرار، على أن الحياة اليومية لا توجد في مجال واحد محدد بذاته، ولا في العمل وحده ولا في الترفيه وحده ولا حتى في الحياة الأسرية وحدها، بل هي كامنة تحديداً في مجموع التفاعلات المتشابكة بين هذه المجالات جميعاً معاً. ويلاحظ أن بعض الفئات الاجتماعية تشعر بقيود هذه الحياة اليومية أكثر حدة من غيرها بحكم موقعها الطبقي؛ فالعمال والنساء، يدركون أوضاعهم المعيشية بوعي أقل مما يدركه البرجوازي، القادر عادة على الفصل بسهولة نسبية في حياته الخاصة بين الروتين اليومي والعمل المنتج، بين الرتابة المملة والتجدد المستمر. هذا التمييز الطبقي داخل تجربة الحياة اليومية ذاتها يذكّرنا بأن الاغتراب، حتى في أدق تجلياته اليومية العابرة، لا يوزع نفسه بالتساوي بين مختلف الأفراد، بل يتبع خطوط الانقسام الطبقي نفسها التي حددها ماركس أصلاً في تحليله الأول.

قد واجه لوفيفر اعتراضاً صريحاً من الماركسيين الأرثوذكس الذين شككوا في أن يحل مفهوم "الحياة اليومية" محل العوامل الاقتصادية والأيديولوجية الصريحة في التفسير التاريخي المادي المعتمد، وكان رد لوفيفر بإضافة مقدمة طويلة عام 1958 يدافع فيها عن مشروعه بأكمله، مؤكداً أن الحياة اليومية ليست بديلاً كاملاً عن التحليل الطبقي التقليدي، بل امتداد ضروري له إلى المجال الذي يعيش فيه الأفراد فعلياً تناقضاتهم الاجتماعية الملموسة، لا المجال المجرد الذي يُختزل فيه الصراع الطبقي إلى معادلة اقتصادية بحتة منفصلة عن التجربة المعاشة، وهذا الدفاع المستمر يكشف طموح لوفيفر الحقيقي بوضوح وهو أنه لا يريد استبدال المصنع بالمنزل كموقع وحيد للتحليل النظري، بل يريد أن يُظهر أن الاغتراب الذي وصفه ماركس أصلاً في علاقة الإنتاج المباشرة يمتد بالضرورة المنطقية إلى كل لحظة من لحظات الحياة المعاشة يومياً دون استثناء يُذكر.

ثمة نقطة التقاء جوهرية تجمع بين مسار مدرسة فرانكفورت ومسار لوفيفر، رغم اختلاف موضوعيهما الظاهري إلا أن كلاهما يرفض حصر الاغتراب في لحظة الإنتاج المباشرة وحدها، وكلاهما يبحث عن آليات إعادة إنتاجه في مجالات بدت للماركسية الكلاسيكية المبكرة هامشية نسبياً، كالثقافة الجماهيرية عند أدورنو تحديداً أو الاستهلاك المنزلي اليومي عند لوفيفر تحديداً، لكن الفارق الدقيق بينهما يكمن أساساً في موقع الأمل السياسي المتبقي؛ حيث ينحو أدورنو نحو تشاؤم حذر يرى في الثقافة الجماهيرية أداة تخدير شاملة تكاد لا تترك مجالاً للمقاومة الفعلية، بينما يضع لوفيفر أمله بوضوح في الشارع أكثر مما يعلقه على الكتب النظرية وحدها، معتبراً أن الشارع يعرض بذاته "نصاً اجتماعياً" كثيفاً قابلاً للقراءة الفعلية، ومسرحاً عفوياً قد تتحول فيه الحياة اليومية ذاتها إلى احتفال جماعي يكسر رتابتها المعتادة.

اختبر لوفيفر هذا الأمل النظري فعلياً في أحداث مايو 1968 الفرنسية، حين درس الشروط المؤسسية والاجتماعية التي أدت، بحسب تحليله، إلى ما وصفه بـ"تعليق" الحياة اليومية خلال تلك الأيام الاستثنائية التاريخية، وقد كانت السلبية الخلاقة لتلك الحركة الطلابية والعمالية، كما يصفها لوفيفر، تهدف إلى تدمير الثنائيات المؤسِّسة للنظام الاجتماعي القائم برمته بين النشاط والسلبية، بين الحياة الخاصة الفردية والحياة الاجتماعية الجماعية، وبين الحياة اليومية العادية والحياة السياسية الاستثنائية. فحين أُلغيت الحياة اليومية، ولو مؤقتاً وبشكل عابر، كمجال منفصل للفصل بين هذه الثنائيات المستقرة، تحولت في نظره إلى مجال حي للتحول الدائم والمستمر، وهذه اللحظة التاريخية العابرة تمثل، بالنسبة للوفيفر، تحققاً عملياً فعلياً لما ظل نظرياً محضاً في كتاباته السابقة لعقود طويلة من العمل الفكري المتواصل.

لكن نكتشف من كل ما سبق أن الجدليات السابقة هي جدلية واحدة متجددة باستمرار عبر الزمن؛ لأن الفرد لا يوجد مستقلاً بذاته عن المجتمع المحيط به، والمجتمع بدوره لا يتشكل إلا عبر أفراد حقيقيين ملموسين يعيشون تناقضاته الفعلية في أجسادهم وحيواتهم اليومية المباشرة. وكل محاولة لفصل أحد الطرفين عن الآخر فصلاً تاماً، سواء بتضخيم الفرد المجرد المعزول كما فعل ماكس شتيرنر، أو باختزال الفرد كلياً في بنية جماعية صماء لا تراعي خصوصيته، تنتج تشويهاً حقيقياً للعلاقة الفعلية القائمة بينهما. وما يوحد هذه المسارات الفكرية المختلفة زمنياً وجغرافياً هو إصرارها المشترك على أن تجاوز هذا التشويه البنيوي لا يتحقق بوعي فردي منعزل مهما بلغ صدقه الذاتي، بل بتحول فعلي ملموس في الشروط الموضوعية التي يعيش الأفراد داخلها فعلياً، سواء كانت هذه الشروط علاقات إنتاج مباشرة كما عند ماركس، أو بنية عقل أداتي شامل كما عند مدرسة فرانكفورت، أو تفاصيل حياة يومية بسيطة كما عند لوفيفر تحديداً.

يبقى السؤال الذي تطرحه هذه الجدلية مفتوحاً بامتياز حتى يومنا هذا، وأرى أنه سوف يظل كذلك وهو كيف يمكن للفرد أن يحقق ذاته الكاملة والخاصة دون أن ينفصل كلياً عن الجماعة التي وحدها تمنحه إمكان هذا التحقق الفعلي أصلاً؟

الجواب الذي تقترحه هذه المسارات الفكرية السابقة مجتمعة ليس حلاً نهائياً جاهزاً يُقدَّم للقارئ كمجرد جواب على سؤال، بل هو منهج تحليلي في القراءة والفهم يعلمنا أن ننظر دائماً إلى الفرد بوصفه كائناً اجتماعياً بامتياز في جوهره، لا لأن المجتمع يذيبه في كتلة عامة، بل لأن فرديته ذاتها، بكل غناها الخاص وتفردها الفعلي الملموس، لا تتحقق أصلاً إلا داخل شبكة من العلاقات المادية والاجتماعية التي لا يختارها بمفرده منذ البداية، في نهاية المطاف، هذا جوهر الجدل بين الفرد والمجتمع كما تكشفه قراءتنا السابقة ليس تعارضاً حاداً بين طرفين متقابلين نهائياً، بل حركة واحدة متصلة يتشكل فيها كل طرف عبر الآخر باستمرار، ولا يكتمل أحدهما فعلياً إلا بتجاوز الانقسام المصطنع المفروض بينهما تاريخياً.

مصادر تم الرجوع إليها:

- لوفيفر، هنري. المادية الجدلية. ترجمة إبراهيم فتحي. القاهرة: دار آفاق للنشر والتوزيع، 2018، ص 80-86.

- Thorne, Christian. "The Frankfurt School and Critical Theory." Internet Encyclopedia of Philosophy. https://iep.utm.edu/frankfur/.

- بنعبد العالي، عبد السلام. "نقد الحياة اليومية عند هنري لوفيفر: بذور التمرّد الكامن." المجلة. آخر تحديث 5 أكتوبر 2024. https://majalla.com.