حين تُهرَّب الثروة… ويدفع المواطن الثمن

أبرز النقاط

  • المواطن يدفع ثمن الاختلالات: تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة يثقلان كاهل الموظفين والعمال والمتقاعدين، بينما تبقى مساءلة المسؤولين عن الفساد والهدر مطلباً أساسياً.
  • حماية المال العام تبدأ بالمحاسبة: مكافحة تهريب الأموال وغسلها والتلاعب بالتحويلات تتطلب رقابة مستقلة، وكشفاً شفافاً عن حركة الأموال، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
  • الثروة النفطية لا تصنع الرفاه وحدها: لا يمكن بناء اقتصاد مستقر دون تنويع مصادر الدخل، وإنعاش الصناعة والزراعة، وخلق فرص عمل منتجة تنعكس على حياة المواطنين.

بقلم/ منى الصرّاف

أزمة الدولار في العراق تكشف خللاً أعمق من مجرد اضطراب في سعر الصرف . لم تعد أزمة الدولار في العراق مجرد ارتفاع وانخفاض في سعر الصرف، بل أصبحت مرآة لخلل اقتصادي وإداري أعمق، تتداخل فيه مشكلات الاعتماد على النفط، وضعف الإنتاج المحلي، والهدر المالي، والثغرات الرقابية التي قد تُستغل لتهريب الأموال أو التلاعب بالتحويلات الخارجية.

فحين تتراجع القوة الشرائية للدينار، لا تتوقف آثار الأزمة عند أسواق الصرف، بل تمتد إلى موائد العراقيين، حيث ترتفع أسعار المواد الغذائية، وتتزايد تكاليف المعيشة، وتتآكل القيمة الحقيقية للرواتب، ويجد الموظف والعامل والمتقاعد أنفسهم أمام أعباء تفوق قدرتهم على الاحتمال.

وفي المقابل، يبرز سؤال جوهري: لماذا يتحمل المواطن نتائج الاختلالات الاقتصادية، بينما تبقى قضايا الفساد والهدر وتهريب الأموال بحاجة إلى مزيد من الشفافية والمحاسبة؟

هم يملكون النفوذ لحماية مصالحهم، أما المواطن فيُترك لمواجهة الغلاء بدخل لا يكاد يكفي احتياجاته الأساسية.

إن خطورة الأزمة لا تكمن في سعر الدولار وحده، بل في احتمال استغلال الثغرات المالية لتحقيق مكاسب غير مشروعة، وفي ضعف الثقة بمؤسسات الدولة عندما يشعر المواطن بأن القانون لا يُطبَّق على الجميع بالقدر نفسه.

ومن هنا، فإن مكافحة تهريب العملة وغسل الأموال والتلاعب بالتحويلات ليست مجرد شعارات، بل مسؤولية مؤسسية تتطلب رقابة فعالة، وتحقيقات تستند إلى الأدلة، ومحاسبة لا تستثني أحداً بسبب موقعه أو نفوذه.

لكن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات النقدية وحدها؛ فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والاستيراد سيظل عرضة للاختلالات ما لم تتجه الدولة إلى تنويع مصادر الدخل، ودعم الصناعة والزراعة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وخلق فرص عمل حقيقية.

فالعراق يمتلك موارد طبيعية كبيرة، لكن وفرة الثروة لا تعني بالضرورة تحقيق الرفاه، ما لم تُحسن إدارتها وتوجيهها نحو الخدمات والتنمية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

إن العدالة الاقتصادية لا تعني أن يدفع الموظف والعامل والمتقاعد ثمن أخطاء لم يرتكبوها، ولا أن يصبح صبر المواطنين بديلاً عن الإصلاح، فيما تتكرر الأزمات وتتراجع القدرة الشرائية وتتزايد الأعباء المعيشية.

المواطن لا يريد صدقة من دولته، بل يريد إدارة شفافة للمال العام، ورقابة حقيقية على حركة الأموال، ومحاسبة للمقصرين والمتورطين، وسياسات اقتصادية تحمي دخله وكرامته.

كما يريد أن يعرف أين تذهب الثروة، وكيف تُنفق الإيرادات، ولماذا لا تنعكس الموارد الكبيرة التي يمتلكها العراق بصورة أفضل على الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.

إن استقرار سعر الصرف مهم، لكنه لا يكفي وحده لبناء اقتصاد قوي. فالاستقرار الحقيقي يبدأ من حماية المال العام، ومكافحة الفساد، وتقليص الهدر، وتعزيز الإنتاج، وضمان أن تكون نتائج التنمية ملموسة في حياة الناس.

فالدولة القوية ليست التي تطلب من مواطنيها الصبر إلى ما لا نهاية، بل التي تحاسب من يهدر ثرواتها، وتحمي حقوق مواطنيها، وتضمن ألا يكون الفقراء الحلقة الأضعف في كل أزمة.

العراق ليس مجرد ثروة نفطية تُصدَّر وإيرادات تُحصَّل، بل وطن يستحق أبناؤه أن يلمسوا أثر هذه الثروة في حياتهم اليومية.

وحين تُهرَّب الثروة أو تُهدر، لا يجوز أن يكون المواطن وحده من يدفع الثمن .

منى الصرَّاف