خارج المألوف
أبرز النقاط
- المألوف ليس معياراً نهائياً: ما نعدّه طبيعياً اليوم كان جديداً وربما مرفوضاً في مرحلة سابقة.
- الشعر يتغير مثل الحياة: من القصيدة العمودية إلى التفعيلة وقصيدة النثر والشعر السردي، تتبدل الأشكال بينما تبقى القيمة الشعرية هي الاختبار الأساسي.
- التجديد لا يعني الفوضى: كسر الوزن أو القافية أو القاعدة لا يصنع إبداعاً وحده؛ فاللغة والبناء والرؤية والتجربة تظل شروطاً أساسية.
- الزمن هو الاختبار الأصعب للجديد: ليست كل تجربة مختلفة جديرة بالبقاء، لكن رفضها لمجرد اختلافها قد يحجب عنا بداية شكل إبداعي جديد.
وئام السوادي
نحن لا نعيش الأشياء كما هي دائماً، بل كما اعتدنا أن نراها.
وهذه واحدة من المفارقات التي ترافق الإنسان طوال حياته. فما نراه طبيعياً اليوم ربما كان غريباً بالأمس، وما نرفضه الآن باعتباره خروجاً عن المألوف قد يصبح، بعد سنوات، أمراً عادياً لا يستوقف أحداً.
المألوف يمنحنا شيئاً من الطمأنينة. نعرفه، ونعرف كيف نتعامل معه، ولذلك لا يتطلب منا جهداً كبيراً لإعادة النظر فيه. أما المختلف فيضعنا أمام شيء لم نعتده، ويجبرنا، ولو قليلاً، على مغادرة المكان الذي ألفناه.
وربما لهذا السبب لا يكون رفض المختلف نابعاً دائماً من قناعة بأنه خطأ؛ أحياناً يكون سببه أننا لا نعرف كيف نقرأه.
وهنا تبدأ الحكاية
المألوف ليس حقيقة مطلقة
هناك فرق بين أن نحترم ما اعتدناه، وبين أن نعتقد أن ما اعتدناه هو الشكل الوحيد الممكن
هذه المسافة الصغيرة بين الأمرين كانت وراء كثير من التحولات التي عرفها الإنسان. ففي الفكر، والفن، والأدب، وحتى في تفاصيل الحياة، ظهرت دائماً محاولات تتجاوز الحدود التي رسمتها التجربة السابقة.
وليس المقصود بالخروج عن المألوف أن نهدم كل ما سبق، فالماضي ليس عبئاً ينبغي التخلص منه، كما أن التراث ليس قيداً يجب كسره. لكن الماضي يمكن أن يكون نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية.
إننا نرث اللغة، لكننا لا نرث بالضرورة الطريقة الوحيدة لاستخدامها، ونرث الفن، لكننا لا نرث الشكل الوحيد الذي يمكن أن يظهر فيه، ونرث الأفكار، لكن من حقنا أن نسألها، وأن نضيف إليها، وربما أن نختلف معها.
حين غادر الشعر بيته القديم
ولعل الشعر من أكثر الفنون التي تكشف لنا حساسية الإنسان تجاه التغيير. فالشعر العربي يمتلك تراثاً هائلاً من القصائد الموزونة المقفاة، وهو تراث لا يمكن إلا أن نشعر أمامه بالاحترام والإعجاب. لكن الشعر، مثل كل فن حي، لم يتوقف عند مرحلة واحدة.
جاء شعر التفعيلة، ثم ظهرت قصيدة النثر، وتعددت التجارب والأساليب، واتسعت مساحة اللغة الشعرية، وبدأت القصيدة تستفيد من السرد والحوار والتأمل والمشهد اليومي. وظهر ما يمكن أن نسميه الشعر السردي؛ حيث لا تكتفي القصيدة بالتقاط لحظة شعورية أو بناء صورة، بل قد تروي حدثاً، أو تستعيد ذاكرة، أو ترسم شخصية، أو تتحرك بين أزمنة وأمكنة مختلفة.
وأمام هذه التجارب يظهر السؤال الذي طالما تكرر: هل ما نقرأه ما زال شعراً؟
السؤال في ذاته ليس مشكلة، المشكلة حين يتحول السؤال إلى حكم مسبق.
فليس من الضروري أن يكون النص الجديد شبيهاً بما عرفناه حتى يكون قادراً على التأثير. وقد يكون الاختلاف في الشكل محاولة للوصول إلى جوهر شعري لا تستطيع الأشكال السابقة أن تمنحه بالطريقة نفسها.
الشعر في النهاية ليس وزناً فقط، كما أنه ليس غياب الوزن أيضاً. الشعر لغة وإحساس وصورة وإيقاع ورؤية.
قد يكون الإيقاع في حركة الكلمات، وفي تكرار المعنى، وفي توتر الجملة، وفي الصمت الذي يأتي بين عبارة وأخرى.
لكن هذا لا يعني أن كل نص حر هو شعر، ولا أن تقسيم الكلام إلى أسطر قصيرة يصنع قصيدة.
فالحرية لا تعني الفوضى، والتجديد لا يعفي الكاتب من امتلاك اللغة، ولا من بناء النص، ولا من امتلاك تجربة تستحق أن تُكتب.
لماذا يزعجنا المختلف؟
ربما لأن المختلف يضعنا أمام احتمال لا نريد الاعتراف به، أن ما اعتقدناه نهائياً قد لا يكون كذلك. ولهذا نجد الرفض في كثير من المجالات.
فحين يظهر أسلوب جديد في الفن، يسأل البعض عن القواعد التي خالفها. وحين تظهر فكرة مختلفة، يبدأ البحث عن سبب رفضها قبل محاولة فهمها. وحين تأتي قصيدة لا تشبه القصائد التي عرفناها، يكون السؤال الأول أحياناً: أين الشعر فيها؟
لكن ربما يجدر بنا أن نبدأ بسؤال آخر: ماذا تريد هذه القصيدة أن تقول؟
ثم نسأل: هل قالت ما تريد بطريقة ناجحة؟ هل صنعت صورة؟ هل تركت إحساساً؟ هل فتحت أمامنا معنى جديداً؟ هل جعلتنا نرى شيئاً اعتدنا النظر إليه بطريقة مختلفة؟
هذه الأسئلة أكثر إنصافاً من محاكمة كل تجربة جديدة وفق معيار واحد.
بين احترام التراث والخوف منه
من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالقلق على تراثه،
التراث نفسه لم يولد دفعة واحدة. كان نتيجة تراكم تجارب ومحاولات واختلافات، وكان في كل مرحلة هناك من أضاف ومن جدد ومن بحث عن طريقة أخرى للتعبير.
ولهذا فإن الدفاع عن التراث لا ينبغي أن يتحول إلى رفض لكل ما يأتي بعده. فالتراث الذي يحتاج إلى إغلاق الأبواب أمام الجديد كي يبقى، ربما يكون قد تحول من مصدر قوة إلى قيد.
أما التراث الحي، فهو الذي يستطيع أن يعيش إلى جانب التجارب الجديدة، وأن يتحاور معها دون أن يفقد خصوصيته.
ليس كل خروج إبداعاً
أي ان الانفتاح على الجديد لا يعني التصفيق لكل شيء. هناك فرق بين الخروج عن المألوف والخروج عن القيمة.
قد يكتب شخص نصاً لا وزن فيه ولا قافية، لكنه يحمل شعراً حقيقياً. وقد يكتب آخر نصاً مشابهاً في الشكل، لكنه لا يحمل سوى كلمات مبعثرة. المشكلة إذن ليست في الشكل وحده.
الإبداع لا يقاس بمدى ابتعاد الكاتب عن القاعدة، وإنما بما يقدمه بعد هذا الابتعاد. فكسر القاعدة ليس إنجازاً في حد ذاته.
الإنجاز أن تعرف لماذا كسرتها، وماذا صنعت في المساحة التي فتحتها. وهنا يكمن الفرق بين التجديد والفوضى.
الإنسان نفسه خارج المألوف
إذا تأملنا الأمر بعيداً عن الأدب، سنجد أن حياتنا كلها سلسلة من الخروج عن المألوف. الطفل يخرج من عالمه الصغير ليتعلم، والشاب يترك ما عرفه ليبحث عن تجربته الخاصة،
والإنسان يسافر، ويغيّر عمله، ويعيد النظر في أفكاره، ويكتشف في مراحل مختلفة من عمره أن بعض القناعات التي بدت له يقينية لم تكن كذلك، حتى اللغة التي نتحدث بها اليوم ليست اللغة نفسها التي تحدث بها أجدادنا.
إنها لغة تراكمت وتغيرت وأخذت وأعطت. فإذا كانت الحياة قادرة على التغير، فلماذا نطلب من الفن أن يبقى ثابتاً؟
ربما نحتاج إلى قليل من التريث، ليس علينا أن نحب كل جديد، وليس علينا أيضاً أن نتخلى عن كل ما هو قديم.
لكن ربما علينا أن نمنح المختلف فرصة قبل أن نحكم عليه. أن نقرأ النص قبل أن نضعه في خانة الرفض. أن نستمع إلى الفكرة قبل أن نقرر أنها غريبة. أن نسأل عن القيمة قبل أن نسأل عن الشكل.
فقد يكون الجديد ضعيفاً، وقد يكون عابراً، وقد لا يستحق البقاء. وهذا أمر طبيعي في مسيرة الإبداع. لكن بعض الجديد قد يحمل شيئاً لم نكن نبحث عنه أصلاً. وهذا هو دور الزمن. فالزمن وحده يكشف ما كان مجرد ضجيج، وما كان بداية لصوت جديد.
خارج المألوف… إلى أين؟
ربما لا يكون الخروج عن المألوف خروجاً من الطريق، بل بحثاً عن طريق آخر. وليس كل من خرج عن الطريق ضالاً، كما أن كل من بقي فيه ليس بالضرورة على صواب.
في الفن كما في الحياة، نحتاج إلى من يحافظ على ما يستحق البقاء، وإلى من يجرؤ على السؤال، وإلى من يحاول أن يفتح نافذة جديدة.
فالإنسان الذي لا يخرج أحياناً من المألوف قد يعيش مطمئناً، لكنه قد لا يكتشف أبداً ما كان يمكن أن يراه خارج دائرته. والقصيدة التي لا تغامر قد تكون سليمة، لكنها قد لا تكون قادرة على مفاجأتنا.
وربما يكون أجمل ما في الإبداع أن يضعنا للحظة أمام شيء لم نكن نتوقعه، ثم يتركنا نقرر بأنفسنا: هل هو عابر، أم أنه فتح لنا باباً لم نكن نراه؟
فكل مألوف كان جديداً ذات يوم. وكل جديد يواجه، في بدايته، من يسأله: لماذا خرجت عن المألوف؟
وربما يكون الجواب الأبسط: لأن المألوف لم يعد يكفيني


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.