من المسؤول عن إفقار الدولة؟
أبرز النقاط
- • منظومة الغنيمة: حوّلت الأحزاب المال العام والوظائف والعقود الحكومية إلى أدوات للولاء والثراء السياسي.
- • ثروة نفطية وإدارة عاجزة: لم تمنع الإيرادات النفطية الضخمة تضخم الإنفاق وتراجع الخدمات وتزايد مخاطر العجز والدَّين.
- • اقتصاد حزبي موازي: نشأت مكاتب اقتصادية ومصارف ظل وواجهات تجارية راكمت الثروة حول السلطة وأضعفت مؤسسات الدولة.
- • الفساد بوصفه نظاماً: لن تنقذ العراق الموازنات أو القروض ما دام النهب أسلوب إدارة، والصمت عليه شكلاً من أشكال الشراكة.
د. سلام قاسم
ليست الدولة العراقية فقيرة، الذي أفقرها هو نظام سياسي تعلّم كيف يحوّل المال العام إلى غنيمة، والوظيفة إلى رشوة انتخابية، والموازنة إلى مائدة مفتوحة للكتل والأتباع والمقاولين والمكاتب الاقتصادية.
لقد نجحت الكتل السياسية، وببراعة مؤلمة، في إشباع نفسها ومناصريها على حساب تجويع الدولة. فبينما تتضخم المولات اللامعة، والمطاعم الفاخرة، والسيارات المصفحة، والساعات الباهظة، والفلل والشقق والواجهات التجارية المرتبطة بنفوذ حزبي أو سياسي، تتآكل قدرة الدولة على دفع التزاماتها، وتتسع عيوب الخدمات، ويقف المواطن أمام مدرسة متهالكة، ومستشفى منهك، وشارع بلا ماء ولا كهرباء ولا كرامة.
المشكلة ليست في قلة النفط، بل في كثرة الأفواه السياسية المفتوحة على الخزينة. فالعراق يعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيرادات الدولة، بحسب صندوق النقد الدولي، ومع ذلك تتوسع النفقات التشغيلية والرواتب والتعيينات والامتيازات بلا إصلاح حقيقي. وقد حذّر الصندوق من أن استمرار هذا المسار يرفع مخاطر الدين ويضعف الاحتياطيات المالية، داعياً إلى ضبط فاتورة الأجور وتنمية الإيرادات غير النفطية.
ما حدث في العراق هو أن الأحزاب لم تبنِ دولة، بل بنت حول الدولة أسواقاً موازية، اقتصاد حزبي، مقاولات حزبية، مصارف ظل، مكاتب اقتصادية، واجهات تجارية، ومنافع موزعة على قاعدة الولاء لا الكفاءة. لذلك ترى الثراء الفاحش يتكاثر في محيط السلطة، بينما تتحدث الحكومة عن العجز، والقروض، والضغط المالي، وتراجع الاحتياطي.
حتى احتياطي البنك المركزي، الذي يفترض أن يكون صمام أمان لا صندوق إنقاذ للخراب السياسي، بدأ يتراجع، فقد انخفضت احتياطيات العراق الأجنبية إلى نحو 97.8 مليار دولار بنهاية نيسان 2026، وفق بيانات منشورة عن البنك المركزي.
السؤال إذن ليس، أين ذهبت أموال العراق؟ بل، من حوّل الدولة إلى بقرة حلوب؟
ومن جعل الولاء الحزبي أقوى من القانون؟
ومن جعل الوظيفة العامة باباً للترضية، والعقد الحكومي طريقاً للثراء، والمنصب جسراً إلى المولات والقصور والذهب؟
إن إفقار الدولة لم يكن حادثاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لمنظومة اعتادت أن تأخذ من الدولة كل شيء، ثم تطلب من المواطن الصبر والتقشف. دولة غنية تُدار بعقلية الغنيمة ستبدو دائماً فقيرة، مهما ارتفع سعر النفط.
المسؤول عن إفقار الدولة هو هذا التحالف غير المقدس بين السياسة والمال والفساد، تحالف جعل العراق خزينة مفتوحة للأقوياء، وفاتورة مفتوحة على ظهور الفقراء.
وما لم تُكسر هذه الحلقة، فلن تكفي موازنة، ولن ينقذنا صندوق نقد، ولن يحمي الدينار احتياطي مهما بلغ حجمه. فالدولة لا تفلس حين يقل المال فقط، بل تفلس حين يصبح الفساد نظاماً، والنهب إدارة، والصمت شراكة.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.