نوبل للسلام 2026 للقاضية نافي بيلاي.. من مقاومة الفصل العنصري إلى كشف جرائم الإبادة في غزة
أبرز النقاط
- 1- من مقاومة العنصرية إلى نوبل: بدأت بيلاي مسيرتها بالدفاع عن ضحايا نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ومن بينهم نيلسون مانديلا.
- 2- توثيق جرائم غزة: ترأست لجنة تحقيق دولية تابعة للأمم المتحدة، خلصت عام 2025 إلى وقوع إبادة جماعية في غزة، وهي نتائج تحقيق وليست حكماً قضائياً نهائياً.
- 3- انقسام دولي حول الجائزة: رحبت جنوب أفريقيا والأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية بالتكريم، فيما أثار القرار انتقادات إسرائيلية وأمريكية.
- 4- رسالة تتجاوز التكريم: يعيد فوز بيلاي إلى الواجهة قضية استقلال القضاء الدولي، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، وضرورة تطبيق القانون الدولي بعيداً عن ازدواجية المعايير.
القاضية الجنوب أفريقية التي دافعت عن مانديلا وترأست تحقيقاً أممياً اتهم إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية، تحصد أرفع جائزة دولية للسلام وسط ترحيب أممي وفلسطيني وانتقادات إسرائيلية وأمريكية.
مدار الناس - متابعة خاصة | السبت 10 أكتوبر 2026
في قرار يحمل أبعاداً قانونية وسياسية تتجاوز التكريم الشخصي، أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، منح جائزة نوبل للسلام إلى القاضية والمحامية الجنوب أفريقية نافانيثيم "نافي" بيلاي، البالغة من العمر 85 عاماً، تقديراً لمسيرتها الطويلة في الدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز القانون الدولي وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
ويأتي هذا التكريم في مرحلة تشهد فيها منظومة العدالة الدولية ضغوطاً سياسية متزايدة، ولا سيما على خلفية التحقيقات والملاحقات المتعلقة بالحروب والنزاعات المسلحة، وفي مقدمتها الحرب على قطاع غزة، التي ترأست بيلاي لجنة تحقيق دولية بشأنها، وخلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت أفعال إبادة جماعية بحق الفلسطينيين.
وأكدت لجنة نوبل، في بيانها الرسمي الصادر من العاصمة النرويجية أوسلو، أن اختيار بيلاي جاء تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ولدورها في ترسيخ مبدأ مساءلة مرتكبي الجرائم الدولية، مشيدة بشجاعتها ونزاهتها والتزامها بالمبادئ القانونية العالمية طوال مسيرتها المهنية.
واعتبرت اللجنة أن القانون الدولي لم يعد مجرد أداة مكملة لتحقيق السلام والأمن، بل أصبح ضرورة أساسية في عالم تتزايد فيه الحروب والصراعات وتتراجع فيه فعالية بعض المؤسسات الدولية.
من جنوب أفريقيا إلى محاكم العدالة الدولية
وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، لأسرة من أصول هندية تاميلية، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي فرض قيوداً واسعة على الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للسكان غير البيض.
ومنذ بدايات عملها القانوني، اختارت مواجهة هذا النظام عبر القضاء، وأصبحت عام 1967 أول امرأة تؤسس مكتباً للمحاماة في إقليم ناتال آنذاك، في خطوة كانت استثنائية في مجتمع تحكمه قوانين التمييز العنصري.
وخلال تلك المرحلة، دافعت عن حقوق معتقلين سياسيين، من بينهم الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للبلاد وحائزاً جائزة نوبل للسلام.
ولم تتوقف مسيرتها عند سقوط نظام الفصل العنصري، بل انتقلت إلى العمل في المؤسسات القضائية الدولية، حيث شغلت مناصب بارزة في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية، قبل أن تتولى منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014.
وكان لها دور مهم في تطوير الاجتهاد القضائي الدولي المتعلق بالعنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة، ولا سيما في ترسيخ إمكانية اعتبار الاغتصاب والعنف الجنسي أفعالاً تدخل ضمن جرائم الإبادة الجماعية متى توافرت شروطها القانونية.
كما عملت على تعزيز مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، الذي يتيح مساءلة المسؤولين السياسيين والعسكريين عن الجرائم الدولية، وعدم اعتبار المناصب الرسمية حصانة مطلقة من الملاحقة القضائية.
وتشارك بيلاي حالياً بصفتها قاضية خاصة في محكمة العدل الدولية، ضمن القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار بشأن اتهامات الإبادة الجماعية بحق أقلية الروهينغا.
غزة في قلب الاهتمام الدولي
رغم أن لجنة نوبل ربطت منح الجائزة بمجمل مسيرة بيلاي القانونية، فإن دورها في التحقيق بشأن الحرب على قطاع غزة منح القرار أهمية سياسية إضافية.
فقد ترأست بيلاي لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، وهي لجنة أنشأها مجلس حقوق الإنسان عام 2021 للتحقيق في الانتهاكات المرتبطة بالنزاع.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، خلصت اللجنة إلى أن السلطات الإسرائيلية ارتكبت أربعة من الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وأن الأدلة التي جمعتها تشير إلى توافر القصد الخاص لتدمير الفلسطينيين في غزة، كلياً أو جزئياً، بوصفهم جماعة محمية بموجب القانون الدولي.
وتضمنت نتائج التحقيق اتهامات تتعلق بقتل المدنيين، وإلحاق أضرار جسدية ونفسية جسيمة، وفرض ظروف معيشية مدمرة، واتخاذ تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
كما تناولت اللجنة مسؤولية كبار المسؤولين الإسرائيليين عن التصريحات والسياسات التي رأت أنها أسهمت في التحريض على ارتكاب الإبادة الجماعية.
ورفضت إسرائيل هذه النتائج، واتهمت اللجنة بالتحيز، مؤكدة أن عملياتها العسكرية تستهدف حركة حماس في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومن الناحية القانونية، لا تمثل نتائج اللجنة حكماً قضائياً نهائياً، إذ يختلف عمل لجان التحقيق الأممية عن اختصاص المحاكم الدولية. غير أن تقاريرها تشكل جزءاً من عمليات التوثيق والمساءلة، ويمكن أن تسهم في دعم التحقيقات والإجراءات القانونية اللاحقة.
بيلاي تتحدث من نورمبرغ: لماذا تحتاج الحقيقة إلى شجاعة؟
حملت لحظة إعلان الجائزة مفارقة تاريخية لافتة؛ إذ كانت بيلاي موجودة في مدينة نورمبرغ الألمانية، داخل القاعة التي شهدت محاكمات كبار المسؤولين النازيين بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تلقت نبأ فوزها.
وفي أول تعليق لها، أعلنت إهداء الجائزة إلى الناجين من الجرائم الدولية، معتبرة أن التكريم يتجاوز شخصها ليشمل ضحايا الحروب والانتهاكات والمدافعين عن العدالة.
واستعادت بيلاي تجربتها في رئاسة لجنة التحقيق بشأن غزة، مشيرة إلى أن آخر أعمالها البارزة كان تقديم التقرير الذي وصف ما حدث في القطاع بأنه إبادة جماعية.
وأعربت عن استغرابها من إشادة البعض بشجاعتها لمجرد إعلان نتائج التحقيق، متسائلة عن الأسباب التي تجعل قول الحقيقة يحتاج إلى شجاعة.
وتكتسب هذه الكلمات دلالة خاصة في ضوء الضغوط التي تواجهها المؤسسات الحقوقية والقضائية الدولية عندما تتناول انتهاكات تنسب إلى حكومات تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري واسع.
ترحيب دولي وانتقادات إسرائيلية وأمريكية
أثار إعلان فوز بيلاي ردود فعل متباينة، عكست حجم الانقسام الدولي بشأن دور المؤسسات القضائية وملفات المساءلة المرتبطة بالحرب في غزة.
ففي جنوب أفريقيا، رحب الرئيس سيريل رامافوزا بالجائزة، واعتبرها تكريماً لمسيرة قانونية اتسمت بالشجاعة والنزاهة والدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان.
كما أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالقرار، مؤكداً أهمية جهود المدافعين عن القانون الدولي وسيادة القانون وكرامة الإنسان.
واعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن فوز بيلاي يمثل انتصاراً جماعياً للعاملين في مجال حقوق الإنسان والعدالة الدولية، وليس إنجازاً فردياً فحسب.
وفي الجانب الفلسطيني، رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية بمنح الجائزة لبيلاي، مشيدة بدورها في التحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون، وبعمل اللجنة الأممية التي ترأستها.
في المقابل، انتقدت وزارة الخارجية الإسرائيلية القرار بشدة، واعتبرت منح الجائزة لبيلاي استخداماً سياسياً لتكريم دولي، واتهمتها بتبني مواقف منحازة ضد إسرائيل.
كما هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرار لجنة نوبل، وانتقد عدم منحه الجائزة، معبراً عن اعتراضه على اختيار بيلاي، ولا سيما في ضوء موقفها من إسرائيل.
وتزامن إعلان الجائزة مع فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية، في سياق الخلاف بين واشنطن والمحكمة بشأن اختصاصاتها وإجراءاتها.
وانتقدت بيلاي هذه العقوبات، معتبرة أنها تمثل اعتداءً على استقلال العدالة الدولية، ومحذرة من خطورة إخضاع المؤسسات القضائية للضغوط السياسية.
لماذا يكتسب هذا الاختيار أهمية استثنائية؟
لا تكمن أهمية فوز بيلاي في كونها شخصية قانونية بارزة فحسب، بل في طبيعة المرحلة الدولية التي جاء فيها القرار.
فالعالم يشهد تصاعداً في النزاعات المسلحة، وتزايداً في الخلافات بشأن تفسير القانون الدولي وتطبيقه، بينما تواجه المحاكم الدولية انتقادات وضغوطاً من حكومات تعترض على تحقيقاتها أو قراراتها.
وفي هذا السياق، يثير اختيار بيلاي ثلاثة أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل العدالة الدولية.
أولها، مدى قدرة المؤسسات القضائية على ممارسة اختصاصاتها باستقلالية عندما تتعارض التحقيقات مع مصالح الدول الكبرى وحلفائها.
وثانيها، إمكانية تطبيق قواعد القانون الدولي بصورة متساوية على جميع الدول والمسؤولين، بعيداً عن الانتقائية السياسية وموازين القوة.
أما السؤال الثالث، فيتعلق بقدرة العدالة الدولية على توفير حماية فعلية للمدنيين، وعدم الاكتفاء بتوثيق الجرائم بعد وقوعها.
ومن المهم هنا التمييز بين الدلالة السياسية للجائزة وأثرها القانوني؛ فمنح نوبل لبيلاي لا يشكل مصادقة قضائية على جميع نتائج التحقيقات التي شاركت فيها، ولا يغير بذاته الوضع القانوني للقضايا المنظورة أمام المحاكم الدولية.
لكنه يمنح اعترافاً دولياً بارزاً بمسيرتها، ويعيد تسليط الضوء على أهمية المؤسسات المعنية بتوثيق الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.
من محاكمات نورمبرغ إلى غزة.. هل تنتصر العدالة على موازين القوة؟
تبدو المسافة التاريخية طويلة بين محاكمات نورمبرغ، التي أرست بعد الحرب العالمية الثانية أسساً مهمة للمسؤولية الجنائية الدولية، وبين التحقيقات المعاصرة في جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
لكن القضية الأساسية بقيت واحدة: هل يستطيع القانون أن يضع حدوداً لاستخدام القوة، وأن يحاسب المسؤولين عن الجرائم الكبرى، مهما بلغت سلطاتهم ونفوذهم؟
لقد بدأت بيلاي مسيرتها في بلد كان التمييز العنصري فيه جزءاً من النظام القانوني، ثم شهدت انهيار ذلك النظام، وانتقلت إلى مؤسسات دولية تسعى إلى حماية الحقوق ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
واليوم، وبعد نحو ستة عقود من العمل القانوني، تتسلم أرفع جائزة دولية للسلام في وقت يتعرض فيه مبدأ المساءلة الدولية لاختبارات شديدة التعقيد.
وإذا كانت الجائزة لا تستطيع وحدها وقف الحروب أو إنصاف الضحايا، فإنها تعيد التأكيد على فكرة أساسية: أن السلام المستدام لا ينفصل عن العدالة، وأن الإفلات من العقاب يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه النظام الدولي.
ومن المقرر أن تتسلم نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام، البالغة قيمتها 12 مليون كرونة سويدية، في احتفال رسمي يقام بالعاصمة النرويجية أوسلو يوم 10 ديسمبر/كانون الأول المقبل، بالتزامن مع ذكرى وفاة مؤسس الجوائز ألفريد نوبل.
مدار الناس - متابعة خاصة


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.