أحلامي ومشاريعي لا تترك لي الوقت كي أندب الزمان

ستوكهولم- مدار الناس

حوار- د. سلام قاسم

ألواني نارية وحادة تنطلق من طبيعتنا التي نشأنا عليها في وطننا الأم

أن حاجة الإنسان للفن والأدب دائمة ومستمرة، وبينهما منطقة مشتركة

الادب الاسكندنافي هو جزء من ثقافة بلدان السويد والنرويج والدانمارك وايسلندا وفنلندا، الذي بدوره يعود إلى أدب القرون الوسطى

الكاتب والأديب والفنان التشكيلي كامل صباح السبتي من مواليد بغداد 1951، حائز على بكلوريوس كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد، عمل رئيساً لقسم المكتبات في قسم المكتبات/ تلفزيون العراق، عمل صائغا.

عضو جمعية الفنانيين العراقيين، عضو إتحاد المكتبيين العراقيين، عضو إتحاد المترجمين العراقيين، عضو إتحاد الإدباء السويددين/ المترجمين، عضو نقابة التشكيليين السويديين، عضو جمعية الناشرين العرب في السويد.

اقام العديد من المعارض الشخصي، مؤسس لدار النشر " كومو " للترجمة والنشر والتوزيع، ترجم العديد من الكتب منها،

رواية " لغز الخاتم " للروائية اليزابيت نيميرت ، العام 2017

رواية " زمن الذئاب " اليزابيت نيميرت، العام 2018

رواية " ما نسينا أن نقوله " للروائية كلارا غريدي 2019

رواية " أقوى ألف مرة " للروائية كريستينا هيرستروم2019

رواية " إستريد " للروائية يوهانا هيلدبراندت 2020

رواية العشق الأزرق" للروائية اليزابيت نيميرت 2024

أما بالنسبة للأعمال المترجمة من العربية للسويدية فهي:

رواية ثرثرة فوق النيل، نجيب محفوظ، العام 2021

رواية ذلك الغريب ، مريم هرموش، العام 2022

له عمل روائي تحت عنوان " الزلزال" صدر باللغة السويدية في العام 2024

التقيناه في ستوكهولم وكان لنا معه هذا اللقاء:

* حدثنا عن العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي والترجمة وأين تجد نفسك؟

أن حاجة الإنسان للفن والأدب دائمة ومستمرة، وبينهما منطقة مشتركة. ورغم أنهما لغتان مختلفتان في القواعد والأدوات، إلا أنهما يشتركان في الطريقة التي تحدث فيها عملية الاقتناص الجوهري بين اللغوي والبصري، في محاولة للتوصل لاكتشاف العلاقات بين الأشياء المتضادة والمتناقضة ظاهريا.

ظهرت العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي بشكل جلي مع أرسطو في نظرية المحاكاة. حيث يرى أرسطو أن جميع الفنون موجودة في حقيقتها، إلا أن التباين بينها يكمن في الطريقة المعتمدة. فأحدهما يعتمد اللون والظل والآخر يعتمد على الكلمات. لكنهما يتفقان في طبيعة وجودهما، وطريقتهما في التشكيل، وتأثيرهما على النفس.

عند الفحص والتمحيص الدقيق، واقتفاء أثر العلاقة بين الأدب، ومن ضمنه الترجمة بالطبع، والفن التشكيلي، نكتشف أنه من الصعب جدا الفصل بين جدلية العلاقة الحميمة بينهما. ولكننا لو أمعنا النظر في مسار تطور الفنون وبداياتها، لوجدنا أن الأدب والفن التشكيلي ينحدران من جذرٍ واحد، ألا وهو الفنون الجميلة، التي تتشارك وتتداخل في عدة نقاط أساسية.

الفن بدأ بالترجمة، ترجمة الحياة بكل تفاصيلها. فكان الفن يقلد الطبيعة من خلال صفة الحياة التي تجعل الأثر الفني عملا إبداعيا. وكان الفن مقلداً للحياة، وكانت الترجمة من نص بايولوجي حيوي إلى نص فني.

في المجمل، نستطيع أن نقرر أن هناك علاقة وثيقة تربط بين الأدب والفن ،وترجمة كليهما إلى لغة مشتركة للإنسان قادر على فهمها واستيعابها رغم تعدد الألسن. حيث تلعب الترجمة دورا محوريا في تقريب كلا المجالين يتيح لنا رفعهما إلى مستوى مفهوم وقابل للإدراك.

لقد مارست الفن التشكيلي طويلا، وكذا مارستُ الترجمة. لا يمكنني هنا أن أقرر إلى أيٍ من المجالين أنتمي. لقد وجدث ـ من خلال الممارسة الفعلية ـ أنني أنتمي لكلا المجالين. لم استطع أبداً أن أجد صيغة تفاضلية بين المجالين، فكل منهما يأخذ النفس إلى عالمٍ من التحرر والإبداع. لقد شعرت دوما أن الرسم والترجمة الأدبية يتعانقان في روحي سوية فيجعلاني أقدم تجربة حسية بصرية فريدة.

* حدثنا عن رواية لغز الخاتم للروائية اليزابيث؟

الادب الاسكندنافي هو جزء من ثقافة بلدان السويد والنرويج والدانمارك وايسلندا وفنلندا، الذي بدوره يعود إلى أدب القرون الوسطى. وبذا فأنه يعتبر جزءا لا يتجزأ من التراث الاسكندنافي ويعبّر عنه ويحفظه.

لقد كان هناك تبادل ثقافي واسع النطاق بين الادب الإسكندنافي وأدب بلدان شرق أوروبا وحوض البلقان. ولكن ذلك الأدب لم يجد له قراء ومتابعين في ما هو أدنى من تلك الرقعة الجغرافية. غير أن ذلك لا يعني أنه لا توجد أوجه تشابه بين أدب شبه جزيرة اسكندينافيا وبين الأدب العربي، ذلك أن المشاعر والأحاسيس الإنسانية ، التي تشكل حجر الزاوية في أي موضوع أدبي، هي سمات مشتركة وعامة بين الشعوب. غير أن الاختلاف يتمثل في طرق تناول الموضوع والزوايا التي ينظر منها الأدباء إلى المشتركات الأدبية العامة، وكذلك أدوات تناول تلك الموضوعات. إذن، يمكننا أن نقول هنا بأن لا اختلاف كبير بين الاتجاهات الإنسانية العامة، عدا ما تقرره بعض الوقائع الحياتية وأساليب تناول الموضوعات.

* كيف تجد الرواية الاسكندنافية وهل هناك اوجه شبه بينها وبين الرواية العربية بصورة عامة والعراقية بصورة خاصة؟

لقد شكلت لي تجربة نقل وترجمة بعض الأعمال الروائية السويدية إلى اللغة العربية، فرصة للوقوف عند بعض أهم مميزات إبداع الكتاب السويديين عند تناولهم لموضوعات رواياتهم وقصصهم. الكاتب السويدي يميل إلى المباشرة والاختصار قدر الإمكان. رغم محدودية اللغة إلا أن الكاتب هنا يستطيع إيجاد الصيغ والوسائل والتعابير التي تجعله يوضح الموضوع المقصود بأسرع وأقصر التعبيرات والمصطلحات. الكاتب السويدي لا يخجل من الخوض في التفاصيل الدقيقة، لأنها تشكل ، في مرات كثيرة، عصب الموضوع وعموده الفقري، فلا يحتار حينها في طريقة التعبير، ولا يكترث لما هو ممنوع أو مسموح، فحرية ومساحة التعبير لديه كبيرة جدا وواسعة. حين كتبت روايتي الأولى، الزلزال، التي ستصدر قريبا، وجدتني أضع كل ما أفكر به وكل ما اعتقده على الورق، من دون أن أنظر للمحرمات أو المسموحات، فتلك أشياء سيحددها القارئ اللبيب وتحت مسميات أخرى، قد يكون من بينها المقبول أو اللامقبول بالنسبة له، أو المعقول واللامعقول، ومن هنا نستطيع أن نتحاور أنا وهو " القارئ" لنصل إلى فهم مشترك لما يريده كلينا.

* شاركت بعدد كبير من المعارض التشكيلية سواء مع فنانين اخرين او معارض شخصية لك، حدثنا عن ذلك؟

أقمت معرضين تشكيليين لبعض أعمالي ( رغم أني لا أنتج الكثير ) كان المعرض الأول في مدينة فاكخو السويدية، وعلى قاعة معرض الفونتانا للفنون التشكيلية. كان ذلك بعد حوالي سنتان من وصولي إلى السويد، حيث لاقى المعرض حينها نجاحاً منقطع النظير. كانت اللوحات التي عرضتها تختلف تماما عن ما درج المواطن السويدي على مشاهدته. كانت ألواني نارية وحادة تنطلق من طبيعتنا التي نشأنا عليها في وطننا الأم. كادت حرارة الشمس التي تزين الكثير من لوحاتي أن تتسرب من بين قماش اللوحات فتدفأ كحل الأركان الفائقة البرودة في تلك المدينة الجميلة. كلمات الثناء والود جعلتني أشتغل بجهدٍ أكبر وبمشاعر أعمق لكي أقدم معرضي التشكيلي الشخصي الثاني الذي أقمته في مدينة تنكسريد السويدية الجنوبية... لقد كانت التجربتان غاية في النجاح الذي جعلني أستمر على تقديم أعمال كان يشار لها بكل ود وتقدير. وشاركت بالطبع في الكثير من المعارض المشتركة مع فنانين آخرين. إلا أن الترجمة قد وجدت لها في نفسي ركنا تزاحم فيه شغفي في الرسم .

* ماهي اعمالك المقبلة؟

سأقيم بإذن الله معرضي الثالث للفنون التشكيلية قريبا..

سأصدر بعد أيام قلائل روايتي الأولى باللغة العربية بعنوان " الزلزال" التي اعتقد أنها ستشكل إضافة مهمة للمكتبة العربية.

اتهيأ أيضا لإصدار ترجمتي لرواية الأديب السويدي الحائز على جائزة نوبل للآداب، بير لاغركفست، الموسومة بعنوان " ضيف على الواقع"

انتهيت من مراجعة روايتي الأولى التي ترجمتها من اللغة السويدية " لغز الخاتم" حيث سيتم اصدار الطبعة الثانية منها.

وقد صدرت لي قبل أيام رواية " الشوق الأزرق" للكاتبة السويدية المرموقة اليزابت نيميرت. وهي رواية أصبح العديد من المترجمين يتسابقون على ترجمتها خصوصا بعد قرائتهم الترجمة العربية التي قال البعض عنها أنها تفوق جمالية الطريقة التي كتبت بها أصلا.

* الغربة ماذا تعني لك؟

لا تعني لي شيئاً...ليس لدي كثير من الوقت كي أقضيه بالتفكير بهذه المسألة الشائكة. ساعاتي مشغولة بالكثير، أحلامي ومشاريعي لا تترك لي الوقت كي أندب الزمان.. علينا أن نعمل، أينما كنا، وكيفما كنا، لكي نحقق ذاتنا، لكي نشعر بقيمتنا، لكي نترك بعدنا أثرا صالحا يعتز به ورثتنا...لا فائدة من النواح. نحن هنا الآن، علينا إذا أن نعطي، أن ننثر العطر أينما حللنا، وأن نبشر بالأمل في أي مكان نكون فيه. الغربة تكون قاتلة، إن اخترنا الركون إلى الإستسلام لها، ولكنها تكون عاملا مساعدا على الإبداع والتطور.

* حدثنا عن معاناة المثقف العراقي في الغربة؟

أو لنقل " معاناة المثقف العراقي وهو بعيد عن وطنه الأم"

هي معاناة مثلها مثل تلك التي يعاني منها الآخرين...الكل له معاناته الخاصة، أبن البلد، وكذلك الذي قصدها حديثا، ا

لكل له همومه.. ولكننا نستطيع أن نقول أننا كغرباء" نوعا ما" نعاني من بعض المسائل أكثر قليلا من الآخرين... على سبيل المثال، أن سوق الكتاب العربي هنا ليست بالأتساع كما في بلداننا الأصلية. اتصالنا بالجهات ذات الاختصاص محصورا ومقيدا وصعبا بعض الشيء. جمعياتنا الأدبية والثقافية ذات المستوى المتميز، قليلة ومعدودة..أضف إلى ذلك، أن مشاغل الفرد العربي هنا، تستهلك الكثير من طاقاته، وتجعله في الكثير من الأحيان يتناسى أهمية القراءة والتثقف في بناء شخصيته وقدراته العقلية بشكل سلبي سوف يؤثر على الأجيال التي تأتي من بعده.