أيلول 2026... اليوم الذي بدأت فيه واشنطن إطفاء حرائق الطاقة

أبرز النقاط

  • 1- الطاقة انتقلت إلى قلب الصراع: استهداف المصافي الروسية والبنية التحتية الأوكرانية جعل الحرب الاقتصادية وحرب الطاقة جزءاً أساسياً من المواجهة، وليس مجرد نتيجة جانبية لها.
  • 2- عودة واشنطن إلى مركز الوساطة: التحركات الأمريكية تجاه موسكو وكييف تشير، وفق تحليل المقال، إلى انتقال مركز الثقل الدبلوماسي نحو واشنطن، بينما قد تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة، كلفة أمنية واقتصادية مرتفعة مقابل تأثير أقل في صياغة التسوية.
  • 3- إيران وأوكرانيا تلتقيان عند النفط: الربط بين هدنة الطاقة الروسية-الأوكرانية ومسار التفاوض الأمريكي-الإيراني يقوم على عامل مشترك هو حماية استقرار أسواق الطاقة وطرق الملاحة، ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب.
  • 4- من لغة النار إلى لغة الصفقة: الفكرة الأعمق للمقال أن واشنطن ربما تحاول منع عدة أزمات منفصلة من الاندماج في أزمة طاقة عالمية واحدة. لكن نجاح ذلك لا يعني انتهاء الصراعات، فقد تكون التسويات الناشئة استراتيجية طويلة المدى، وقد تكون مجرد هدن مؤقتة فرضتها الكلفة الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة.

د. سلام قاسم

قد لا يكون ما يجري اليوم نهاية للحروب، لكنه يكشف بوضوح أن السياسة الدولية بدأت تتحرك تحت ضغط عامل يتجاوز ساحات القتال نفسها "الطاقة".

ففي الجبهة الروسية-الأوكرانية، لم تعد المسألة محصورة في خطوط التماس والأراضي المتنازع عليها. الضربات الأوكرانية المتصاعدة على المصافي والمنشآت النفطية الروسية، في مقابل استمرار روسيا في استهداف البنية التحتية الأوكرانية، نقلت جانباً مهماً من الحرب إلى الاقتصاد والطاقة. ومع ارتفاع أسعار الوقود والديزل، لم تعد نتائج هذه الحرب مشكلة روسية أو أوكرانية أو أوروبية فحسب، بل أصبحت تمس الاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية أيضاً.

من هنا يمكن فهم التحرك الأمريكي باتجاه هدنة للطاقة بين موسكو وكييف. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكد، بعد اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم، أنه بحث معه وقف استهداف منشآت الطاقة وسبل إنهاء الحرب، وأن كييف مستعدة لصيغ مختلفة لوقف متبادل، لكنها لم توافق على وقف أحادي لضرب المصافي الروسية.

وهنا تظهر دلالة سياسية مهمة، إذا أصبحت واشنطن القناة الأساسية القادرة على مخاطبة موسكو وكييف معاً، فإن مركز الثقل الدبلوماسي يميل مجدداً نحو الولايات المتحدة. وهذا لا يعني خروج أوروبا من اللعبة، فالاتحاد الأوروبي جدد اليوم عقوباته على نحو ثلاثة آلاف فرد وكيان روسي، ما يؤكد بقاء أدوات أوروبية مؤثرة. لكنه يعني أن أوروبا قد تجد نفسها أمام مفارقة صعبة، تتحمل جزءاً كبيراً من الكلفة الأمنية والاقتصادية للحرب، بينما تصبح قدرتها على صياغة التسوية أقل من قدرتها على التأثير في استمرار الضغط على روسيا.

والصورة تصبح أكثر إثارة عندما ننظر جنوباً، نحو إيران. فالولايات المتحدة وإيران تتحركان بدورهما باتجاه تسوية محتملة. ترامب قال اليوم إن المحادثات مع طهران مستمرة وإنه يعتقد بإمكان الوصول إلى اتفاق، بينما تحدثت تقارير عن استعداد إيراني لإعادة فتح مضيق هرمز إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت حصارها عن الموانئ الإيرانية. وكانت الولايات المتحدة قد بدأت منذ حزيران، بمنح إعفاءات من بعض العقوبات الإيرانية ضمن ترتيبات مؤقتة، لذلك فالأدق الحديث عن مسار لتخفيف العقوبات والحصار، وليس رفعاً شاملاً ونهائياً للعقوبات الأمريكية حتى الآن.

وهنا يلتقي الملف الإيراني بالملف الروسي-الأوكراني. إن تهدئة استهداف المصافي الروسية يمكن أن تخفف الضغط على سوق المشتقات النفطية، كما أن تخفيف المواجهة مع إيران وإعادة تدفق الملاحة بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز يمكن أن يخففا الضغط على النفط العالمي. وقد انعكست مجرد الآمال بتحسن الإمدادات الشرق أوسطية اليوم على الأسواق، فتراجع خام برنت إلى ما دون 100 دولار للبرميل.

وبذلك يمكن قراءة التحركات الأمريكية الراهنة من زاوية أوسع. واشنطن تحاول منع أزمات جيوسياسية متعددة من التحول إلى أزمة طاقة عالمية واحدة.

فالحرب في أوكرانيا تضرب المصافي الروسية وشبكات الطاقة، والمواجهة مع إيران تهدد مضيق هرمز، والتوتر في اليمن يهدد باب المندب. وهذان المضيقان من أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية، حتى إن بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان شددا اليوم، في اتصال هاتفي، على ضرورة ضمان حرية الملاحة فيهما.

ولهذا فإن ما يجري لا ينبغي قراءته باعتباره انتصاراً نهائياً لروسيا أو أوكرانيا أو إيران أو الولايات المتحدة. الأهم هو التحول في منطق إدارة الصراع، بعد أشهر من استخدام الطاقة وسيلة للضغط، بدأت كلفة هذا السلاح ترتد على الجميع.

قد تكون واشنطن قد أدركت أن استمرار اشتعال المصافي الروسية، واضطراب هرمز وباب المندب، وارتفاع أسعار الوقود، يمكن أن يجعل المواطن الأمريكي والأوروبي يدفع ثمن حروب تبعد عنه آلاف الكيلومترات.

لذلك قد يسجل التاريخ 22 أيلول 2026 لا باعتباره اليوم الذي انتهت فيه الحروب، بل باعتباره يوماً ظهرت فيه بصورة أكثر وضوحاً محاولة نقل بعض الصراعات الكبرى من لغة النار إلى لغة الصفقة.

ويبقى السؤال الأصعب، هل نحن أمام بداية تسويات حقيقية، أم مجرد هدنة تفرضها أسعار النفط قبل أن تعود المدافع إلى الكلام؟