البيت العراقي.. عقد رفاه واقعي لا شعار انتخابي
د. سلام قاسم
فكرة "البيت الشعبي" في السويد لم تكن أغنية أخلاقية عن المساواة تقال ثم تنسى، بل كانت هندسة دولة، سردية جامعة تقول للناس إنهم يعيشون في بيت واحد، ثم مؤسسات تترجم تلك السردية إلى قواعد تفاوض وحقوق شمولية وخدمات قابلة للاستدامة. وإذا أردنا أن نعكس التجربة على العراق بعد 2003، فعلينا أن نبدأ من الحقيقة التي لا تجامل أحدا، مشكلتنا ليست ندرة الموارد بقدر ما هي هشاشة القواعد التي تحوّل الموارد إلى خدمة عامة، وتحوّل الصراع إلى تفاوض، وتحوّل الدولة من "غنيمة" إلى "بيت".
"البيت العراقي" الذي نقترحه ليس نسخة مترجمة من Folkhemmet، ولا وعداً رومانسياً ببلدٍ مثالي، بل عقد مواطنة عملي يعرف ما هو حق لا تفاوض عليه، وما هو سياسة تبنى تدريجياً وفق القدرة، وما هو اقتصاد منتج يضمن أن الرفاه لا يتحول إلى فاتورة سياسية تدفع بالاستدانة والخيبات. جوهر الفكرة أن الدولة ليست صرافاً يوزع الريع، بل منظومة ثقة. المواطن يدفع حين يرى خدمة، ويقبل الإصلاح حين يرى عدالة، ويصبر حين يلمس أن التوزيع ليس مكافأة ولاء بل حقاً عاماً.
في العراق، الخطأ الشائع أن نبحث عن "حزب منقذ" أو "زعيم مؤسس". التجربة السويدية نفسها لم تنجح لأن حزباً حكم طويلاً فقط، بل لأن الحكم كان جزءا من منظومة تفاوض اجتماعي. لذلك فإن الجهة التي تطبق "البيت العراقي" ليست كياناً واحداً، بل بنية حكم واضحة ومُلزمة تجمع بين الدولة التنفيذية التي تدير المال والخدمات، والسلطات الرقابية والقضائية التي تحمي العقد من أن يصبح قرار حكومة عابرة، وشركاء اجتماعيين حقيقيين يملكون القدرة على التفاوض وتمثيل المصالح لا تمثيل الشعارات. ما نحتاجه عملياً هو مجلس عقد اجتماعي ثلاثي على غرار روح التسوية لا شكلها، يضم الحكومة وممثلي العمال وأرباب العمل، بصلاحيات واضحة ومواعيد تفاوض معلنة ومعايير شفافة، لأن الفوضى في سوق العمل والاقتصاد السياسي لا تعالج بالخطب بل بقواعد لعبة ثابتة.
أما التمويل، فهنا يجب أن نكون قساة مع الوهم قبل أن نكون قساة مع الواقع. العراق ليس فقيراً، لكنه يعيش مأزق الدولة الريعية التي تتنفس من رئة واحدة. ومعنى ذلك أن "بيت الرفاه" لا يجوز أن يُبنى على موجة أسعار نفط أو على تضخم رواتب يلتهم الموازنة ثم يطلب من المستقبل أن يدفع الفاتورة. التمويل الواقعي يبدأ بتقنين الريع لا تبديده، جزء واضح لتشغيل الدولة والخدمات الأساسية ضمن سقف إنفاق منضبط، وجزء لصندوق استقرار يخفف صدمات الأسعار ويمنع تحويل الطفرات إلى التزامات دائمة، لأن الدولة التي تربط دوامها بمزاج السوق لا تصنع عقدا اجتماعياً بل تصنع قلقاً مزمناً.
لكن تقنين النفط وحده لا يكفي، لأن "البيت" لا يقوم على أموال تأتي بلا علاقة بين الدولة والمواطن. لذلك لا بد من بناء إيرادات غير نفطية تدريجياً وبعدل، تبدأ من حيث يتسرب المال حقاً، المنافذ الحدودية والجمارك، مكافحة التهريب والفساد الإداري، رقمنة الجباية لتقليل التسرب، ثم توسيع ضريبة الدخل والرسوم العقارية والبلدية بطريقة تحمي الفئات الأضعف وتحمّل القادر نصيبه. ليست الفكرة أن نرهق المواطن، بل أن نؤسس علاقة جديدة، الدولة تكسب شرعيتها من الخدمة، والمواطن يشارك في تمويلها لأنه يثق بأن المال لا يضيع في المتاهة.
غير أن التمويل ليس جمع أموال فقط، بل إدارة إنفاق. وهذا هو قلب الأزمة العراقية بعد 2003، كثير من الإنفاق الجاري اتسع حتى صار هدفاً بذاته، بينما الاستثمار في البنية التحتية والخدمات النوعية بقي أضعف من الحاجة، والهدر يتسلل من أبواب العقود والوظائف والوساطات. "البيت العراقي" لا ينجح إلا إذا ارتبط بمبدأ بسيط لكنه ثوري في سياقنا، لا إنفاق بلا أثر قابل للقياس، ولا عقد بلا شفافية، ولا خدمة بلا مساءلة علنية. حين يصبح عقد الكهرباء مثلا معلناً ومعاييره واضحة وأثره على الأحياء الفقيرة قبل الغنية قابلاً للرصد، تبدأ الثقة بالتشكل، وعندها فقط يصبح الحديث عن رفاه موسع ذا معنى.
من هنا تأتي أولوية التدرج، لأن الرفاه لا يبدأ من أعلى السقف بل من أساساته. المرحلة الأولى في "البيت العراقي" ليست إنشاء مؤسسات رفاه معقدة، بل إعادة تعريف الدولة كخدمة يومية محسوسة، كهرباء وماء وصحة أولية ومدارس تعمل واحترام للهوية القانونية ووقف الإذلال الإداري. هذه ليست تفاصيل خدماتية؛ إنها شرعية سياسية. ثم تُبنى شبكة أمان اجتماعي ذكية لا تقوم على دعم عشوائي يبتلعه القادر قبل المحتاج، بل على حماية أكثر دقة وشفافية مرتبطة بالتشغيل والتدريب وإعادة التأهيل، لأن الحماية التي لا تفتح باب العمل تتحول إلى إدارة فقر لا إلى صناعة كرامة. بعدها فقط يمكن الانتقال إلى قلب الرفاه الحقيقي، سياسات إسكان ومدينة وعدالة مكانية، لأن العراق اليوم لا يعاني تفاوت دخل فحسب، بل تفاوت أحياء ومدن، حيث يصبح المكان قدراً اجتماعياً يحدد فرص التعليم والعمل والصحة، وتتحول الضواحي إلى شعور دائم بأن العقد لا يساوي بين أبنائه.
والتحدي الأكبر هنا ليس تقنياً ولا مالياً فقط، بل سياسي–اجتماعي، أزمة ثقة وتمثيل وعدالة مكانية. المواطن لا يصدق لأن التجربة علمته أن الوعود تُستهلك، والدولة تتشظى بين صلاحيات متداخلة ومسؤوليات ضائعة فتتلاشى المحاسبة، والريع السياسي يحوّل الوظيفة والخدمة إلى مكافأة ولاء، فيموت معنى "البيت" لأن البلد يصير بيوتاً متنافسة لا بيتاً واحداً. لذلك فإن نجاح الفكرة يتطلب شرطاً أخلاقياً مؤسسياً، تحييد الخدمات الأساسية عن المزاد السياسي، وحماية التعيينات العامة والمعايير المهنية من نظام المحاباة، وربط الموارد بمعايير استحقاق لا بمعايير قرب.
قد يقول قائل إن الأمن أولاً، وإن الحديث عن الرفاه ترف في بلد يتعبه الصراع. هذا صحيح إذا فهمنا الأمن بوصفه جداراً فقط. لكنه يصبح ناقصاً إذا تجاهلنا أن العدالة المكانية والبطالة والخدمات المتردية تصنع هشاشة يمكن استثمارها في العنف والاستقطاب. "البيت العراقي" ليس ترفا" أخلاقيا"، بل هندسة استقرار، يقلل أسباب الغضب، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة من علاقة خوف وابتزاز إلى علاقة حقوق ومسؤوليات.
ولكي لا يبقى الكلام بلا اختبار، ينبغي قياس المشروع سنوياً بثلاثة أسئلة لا تهرب منها حكومة ولا حزب، هل تحسنت خدمات الحد الأدنى فعلا في الأحياء الأفقر قبل الأغنى؟ هل ارتفعت الإيرادات غير النفطية دون سحق الفئات الهشة ودون توسع الجباية العشوائية؟ هل انخفض الهدر وارتفعت شفافية العقود والإنفاق بحيث يرى الناس أين تذهب الأموال؟ إذا بدأت الإجابة تتغير نحو "نعم" بصورة متواصلة، فذلك يعني أن العراق لا يردد استعارة جميلة، بل يبني بيتاً.
المطلوب ليس أن نصير بلداً مثل السويد، بل أن نستعير من السويد منطقها المؤسسي، عقد واضح، تفاوض اجتماعي مستقر، حقوق تُموَّل بقاعدة متعددة لا بريشة نفط واحدة، وخدمات تُدار بمساءلة لا بكرم سياسي. عندها فقط يصبح "البيت العراقي" رؤية قابلة للحياة، لا عنواناً بارزاً يلمع لحظة ثم يختفي في ظلام الواقع.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.