المحاصصة في العراق بعد 2003: من الشراكة السياسية إلى أزمة الثقة الشعبية

أبرز النقاط

  • المحاصصة وتقاسم السلطة: تحولت المشاركة السياسية، وفق رؤية الكاتب، إلى توزيع للمناصب والمكاسب بين القوى الحزبية على حساب بناء المؤسسات.
  • تراجع الثقة الشعبية: أسهم الفساد وضعف الخدمات والبطالة وعدم تنفيذ الوعود الحكومية في تعميق الفجوة بين المواطن والسلطة.
  • الإصلاح المؤسسي: لا يكفي تغيير المسؤولين، بل ينبغي تعزيز استقلال القضاء والرقابة، وتطبيق المساءلة، واعتماد الكفاءة والنزاهة في شغل المناصب.
  • تقديم الوطن على الحزب: يؤكد الكاتب ضرورة الحفاظ على التعددية السياسية، مع منع تحول الانتماءات الحزبية إلى معيار يتقدم على المصلحة الوطنية وحقوق المواطنين.

بقلم/ محمد عبد احمد الخفاجي

منذ عام 2003، شهد العراق تحولات سياسية كبيرة تمثّلت في بناء نظام سياسي جديد قائم على التعددية والمشاركة في إدارة الدولة. وكان من المفترض أن تشكّل هذه المرحلة بدايةً لترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة المواطن بالعملية السياسية، إلا أن مسار الحكومات المتعاقبة كشف عن فجوة متزايدة بين تطلعات الشارع العراقي والواقع الذي أفرزته الممارسة السياسية.

لقد كان الفساد الإداري والمالي، وتراجع مستوى الخدمات العامة، ومحدودية فرص العمل، وعدم الوفاء بالوعود التي قُدّمت للمواطنين، من أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الحكومية. ولم تعد المشكلة مقتصرة على إخفاق حكومة بعينها، بل أصبحت مرتبطة، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، بنمط إدارة الدولة وآليات توزيع السلطة والنفوذ.

وفي هذا السياق، تبرز المحاصصة السياسية بوصفها إحدى القضايا الجوهرية التي تستحق مراجعة جادة. ففكرة إشراك مختلف مكونات المجتمع في إدارة الدولة لا تتعارض، بحد ذاتها، مع مبادئ التعددية السياسية والتمثيل الديمقراطي، بل يمكن أن تسهم في تعزيز الشراكة الوطنية. غير أن الإشكالية تكمن في طريقة تطبيق هذا المبدأ، حين تتحول المشاركة السياسية من وسيلة لتحقيق التوازن الوطني إلى أداة لتوزيع المناصب والمكاسب على أساس الانتماءات الحزبية والولاءات السياسية، على حساب الكفاءة والمساءلة والمصلحة العامة.

إن الدولة لا تُقاس بمدى اتساع دائرة المشاركة في السلطة فحسب، وإنما بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية، وحماية المال العام، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص، وخلق بيئة تتيح للمواطن أن يعيش بكرامة وأمان. وعندما تصبح المناصب الحكومية امتداداً للتنافس الحزبي، تتراجع معايير الكفاءة، وتضعف المسؤولية السياسية، ويجد المواطن نفسه أمام مؤسسات لا تلبّي تطلعاته، رغم تعاقب الحكومات وتكرار الوعود بالإصلاح.

ومن هنا، فإن معالجة أزمة الثقة لا يمكن أن تتحقق من خلال تغيير الوجوه السياسية وحده، ولا عبر إطلاق برامج إصلاحية لا تجد طريقها إلى التنفيذ. بل تتطلب مراجعة حقيقية لآليات إدارة الدولة، وتعزيز استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وترسيخ مبدأ المحاسبة، وربط تولّي المسؤولية العامة بالكفاءة والنزاهة، بعيداً عن منطق الولاءات الضيقة.

إن التجرد من التحزبات والولاءات لا يعني إلغاء التعددية السياسية أو الانتقاص من حق الأحزاب في المشاركة، وإنما يعني ألّا تكون المصلحة الحزبية مقدّمة على المصلحة الوطنية، وألّا تتحول الانتماءات السياسية إلى معيار يتقدّم على استحقاق المواطن في إدارة عادلة وكفوءة لشؤون الدولة.

لقد أثبتت التجربة العراقية منذ عام 2003 أن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد توزيع السلطة بين القوى السياسية، بل يحتاج إلى مشروع وطني واضح تتفق فيه القوى المختلفة على أن العراق أكبر من الأحزاب، وأن المسؤولية السياسية تكليف لخدمة المواطنين وليست امتيازاً لتحقيق المكاسب.

وفي نهاية المطاف، تبقى استعادة ثقة المواطن العراقي الاختبار الحقيقي لنجاح أي إصلاح سياسي. فالمواطن لا ينتظر خطابات جديدة بقدر ما ينتظر خدمات أفضل، وفرص عمل حقيقية، ومؤسسات نزيهة، وحكومة تفي بالتزاماتها. وعندما تصبح هذه الأولويات أساس العمل السياسي، يمكن للعراق أن ينتقل من إدارة التوازنات الحزبية إلى بناء دولة المؤسسات والمواطنة، التي يكون فيها الانتماء إلى الوطن هو القاسم المشترك الذي يعلو على سائر الولاءات.