اليسار العراقي... من أزمة الشعارات إلى معركة استعادة المجتمع

أبرز النقاط

  • 1- الانفصال عن القاعدة الشعبية: تراجع ارتباط اليسار بالعمال والفقراء والفئات الجديدة العاملة في القطاعات غير المنظمة، ما أضعف تأثيره الاجتماعي والسياسي.
  • 2- أزمة التحالفات والهوية السياسية: أسهمت التحالفات الانتخابية غير المستندة إلى برنامج اجتماعي واضح في إرباك الهوية اليسارية وإضعاف ثقة الجمهور.
  • 3- غياب التجديد والديمقراطية الداخلية: يحتاج اليسار إلى تجديد قياداته، وتوسيع المشاركة الشبابية، وترسيخ حرية النقد والتعدد الفكري داخل تنظيماته.
  • 4- مواجهة الطائفية بالعدالة الاجتماعية: لا تكفي الشعارات المدنية لمواجهة الطائفية، بل لا بد من مشروع اقتصادي واجتماعي يعالج الفقر والبطالة والحرمان ويحد من نفوذ شبكات المحاصصة.

د. سلام قاسم

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة التيارات السياسية بما ترفعه من شعارات، بل بقدرتها على قراءة المجتمع والتحرك داخل تناقضاته الحقيقية. واليسار العراقي يقف اليوم أمام امتحان تاريخي حاسم، فإما أن يستعيد موقعه بوصفه قوة اجتماعية تعبّر عن مصالح الفئات المهمشة، أو يتحول نهائياً إلى نخبة ثقافية تراقب الانهيار من بعيد.

منذ عام 2003، تبدّل العراق جذرياً. تفككت البنى الاقتصادية القديمة، وتراجعت الصناعة الوطنية، واتسع الاقتصاد غير الرسمي بصورة غير مسبوقة، فيما تحولت الدولة إلى منظومة ريعية تدار بمنطق المحاصصة والزبائنية السياسية. هذه التحولات أنتجت طبقات اجتماعية جديدة، وأشكالاً مختلفة من العمل الهش والبطالة المقنعة، لكن الخطاب اليساري ظل في كثير من الأحيان أسير مفاهيم قديمة لم تعد قادرة وحدها على تفسير الواقع أو التأثير فيه.

المعضلة الأساسية أن اليسار فقد تدريجياً صلته العضوية بالطبقات الشعبية. فالقوى العاملة اليوم لا تتمركز في المصانع الكبرى كما كان الحال في العقود السابقة، بل تنتشر في قطاعات الخدمات والعمل المؤقت والتطبيقات الإلكترونية والأسواق غير المنظمة. ملايين العراقيين يعملون خارج أي حماية قانونية أو نقابية، من دون ضمان اجتماعي أو استقرار اقتصادي، فيما لا توجد قوة سياسية تمتلك مشروعاً حقيقياً لتنظيم هذه الفئات والدفاع عنها.

وفي المقابل، انشغل جزء من اليسار بتحالفات انتخابية لم تُنتج مشروعاً اجتماعياً واضحاً، بقدر ما أنتجت ارتباكاً في الهوية السياسية. فالتحالفات التي تُبنى على حساب البرنامج الطبقي تتحول سريعاً إلى مكاسب مؤقتة بلا قاعدة شعبية راسخة. التجربة العراقية أثبتت أن السياسة التي تبدأ من الصفقات الفوقية لا تستطيع بناء نفوذ مستدام، بينما القوة الحقيقية تتشكل داخل الأحياء الفقيرة والجامعات ومواقع العمل والاحتجاجات المطلبية.

كذلك، لا يمكن لأي تيار يساري أن يستعيد ثقة المجتمع من دون مراجعة نقدية لبنيته الداخلية. فالديمقراطية التنظيمية، وتجديد القيادات، وفتح المجال أمام التنوع الفكري، ليست مسائل شكلية، بل شروط ضرورية لبقاء أي حزب يريد تمثيل مجتمع متغير. التنظيم الذي يخشى النقد يفقد تدريجياً قدرته على التجدد، ويتحول إلى إطار مغلق يعيش على ذاكرته لا على حضوره.

أما الطائفية، فهي ليست مجرد خطاب أيديولوجي يمكن هزيمته بالشعارات، بل شبكة مصالح اجتماعية واقتصادية متجذرة في الفقر والحرمان وضعف الدولة. ولهذا فإن مواجهة الطائفية لا تتحقق عبر السجال الثقافي وحده، بل عبر تقديم بديل اجتماعي ملموس يشعر معه المواطن بأن العدالة والخدمات وفرص العمل أكثر جدوى من الولاءات الضيقة.

إن استعادة اليسار العراقي لن تبدأ من إعادة ترديد النصوص الكلاسيكية، بل من العودة إلى المجتمع نفسه، إلى معارك الأجور والسكن والتعليم والصحة والبطالة. فالقوة السياسية لا تُقاس بعدد البيانات، بل بعدد المعارك اليومية التي تُخاض دفاعاً عن الناس. والعراق، المثقل بالأزمات والانقسامات، لا يحتاج يساراً رمزياً، بل يساراً يمتلك الشجاعة للنزول إلى الأرض، حيث تُصنع السياسة الحقيقية وتُختبر صدقية الانحياز للفقراء.