حين تتعدد الرواتب وتضيق العدالة.. أسئلة محرجة في بيت الرفاق!

أبرز النقاط

  • أربعة رواتب وامتيازات متعددة؟ تساؤلات تستدعي تحقيقاً شفافاً في طبيعة الرواتب والأراضي الممنوحة لبعض الرفاق ومدى قانونيتها.
  • العدالة الاجتماعية على المحك: كيف يمكن الدفاع عن المحرومين من دون مساءلة المستفيدين من الامتيازات داخل التنظيم نفسه؟
  • رفاق رفضوا الامتيازات: يساريون حافظوا على مبادئهم ورفضوا تحويل تاريخهم النضالي إلى مكاسب مالية وشخصية.
  • لا أحد فوق النقد: الحزب الشيوعي، شأنه شأن بقية الأحزاب، مطالب بالشفافية والمحاسبة، والنقد ليس عداءً له، بل وسيلة لحماية مصداقيته.
  • والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل تمتلك قيادة الحزب الشجاعة لكشف الحقائق، أم ستظل الأسئلة معلّقة بلا أجوبة؟

د. سلام قاسم

في بلدٍ تتزاحم فيه صور الفقر مع مظاهر الثراء السياسي، وتبحث فيه الأرملة عن راتب يكفي أطفالها، والمتقاعد عن حقوقه، والعاطل عن فرصة عمل، يصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية امتحاناً أخلاقياً قبل أن يكون شعاراً سياسياً. فالمشكلة لا تكمن في الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الفقراء فحسب، بل في مدى التزامهم بتلك الشعارات حين تتعارض مع مصالحهم وامتيازاتهم.

ولعل السؤال الأكثر إحراجاً ليس ما إذا كانت الأحزاب الحاكمة قد استفادت من نظام الامتيازات، فهذا ملف يستحق المساءلة منذ سنوات، وإنما، ماذا عن الأحزاب التي جعلت من محاربة الفساد والدفاع عن الكادحين عنواناً لنضالها؟ وهل أخضعت أعضاءها وقياداتها للمعايير نفسها التي تطالب بتطبيقها على الآخرين؟

ومن هنا، أطرح سؤالاً بريئاً، لكنه يستحق جواباً واضحاً من قيادة الحزب الشيوعي العراقي.

هل سبق لقيادة الحزب أن دققت في ما يُثار بشأن تقاضي بعض رفاقها وقيادييها أكثر من راتب من الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، حتى إن الحديث يدور عن حالات تصل إلى أربعة رواتب، فضلاً عن الحصول على قطع أراضي من الجهتين؟

إذا صحت هذه المعلومات، فهل جميع تلك الامتيازات مستندة إلى استحقاقات قانونية؟ وهل جرى التحقق من عدم وجود ازدواج مخالف للقانون في الرواتب والتخصيصات؟

كيف يمكن المطالبة بمكافحة الفساد والدفاع عن الفقراء والأرامل والأيتام، من دون إخضاع الامتيازات التي يحصل عليها أعضاء الحزب وقياديوه لمعايير الشفافية والمساءلة نفسها؟

وللإنصاف، أعرف شخصياً يساريين شرفاء رفضوا تقاضي أي امتياز مالي مقابل نضالهم وتضحياتهم، إيماناً منهم بأن النضال من أجل الشعب ليس وظيفة تُصرف عنها المكافآت، ولا وسيلة للحصول على الامتيازات. وهؤلاء يستحقون الاحترام، لأنهم حافظوا على المسافة الضرورية بين المبادئ والمصالح الشخصية.

المطلوب ليس التشهير بأحد، بل كشف الحقائق. فهل تستطيع قيادة الحزب إعلان موقف واضح، والدعوة إلى تدقيق مستقل في حالات تعدد الرواتب وتخصيص الأراضي، ونشر نتائجه للرأي العام؟

فالاستحقاق القانوني شيء، والازدواج غير المشروع شيء آخر، أما المصداقية السياسية فتبدأ من تطبيق مبادئ الشفافية على الذات قبل مطالبة الآخرين بها.

حين تتعدد الرواتب وتضيق العدالة.. أسئلة محرجة في بيت الرفاق!

ملاحظة أخيرة: لماذا أخص الحزب الشيوعي بهذا المنشور؟

ربما يتساءل البعض، لماذا أخص الحزب الشيوعي العراقي بهذا المقال؟

أقول لهؤلاء، إن معظم كتاباتي السابقة انصرفت إلى نقد الحكومات والبرلمان والأحزاب المتنفذة، وكشف مظاهر الفساد والمحاصصة وسوء إدارة الدولة، وكنت أحرص على إبعاد الحزب الشيوعي عن دائرة هذا النقد.

لكن النقد لا ينبغي أن يكون انتقائياً، ولا يجوز أن نطالب بمحاسبة الآخرين ونتردد في مساءلة من نختلف معهم أو نتفق. فالحزب الشيوعي ليس فوق النقد والمساءلة، بل يُفترض أن يكون أكثر حرصاً على الشفافية، بحكم تاريخه وشعاراته في الدفاع عن العدالة الاجتماعية.

إن نقد الحزب ليس عداءً له، بل إن السكوت عن أخطائه، إن ثبتت، هو ما قد يسيء إلى تاريخه ومصداقيته.

وأخيراً، لا يمكن الدفاع عن العدالة الاجتماعية بشعارات جميلة، إذا لم تتحول هذه الشعارات إلى سلوك وممارسة ومساءلة تبدأ من داخل التنظيم نفسه. فالعدالة التي نطالب بها الآخرين، ينبغي أن نبدأ بتطبيقها على أنفسنا.