دراسة لبحث استراتيجي بعنوان:"التجربة الديمقراطية في تنزانيا" للدكتور سعيد إسماعيل ندا
أبرز النقاط
- مشاركة المواطنين في العملية الديمقراطية.
- جلسة برلمانية تعكس عمل المؤسسات.
- مشاهد للوحدة الوطنية ورفع العلم التنزاني.
- التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميز التجربة التنزانية.
بقلم/ عبد الجبار نوري
كاتب وباحث وناقد أدبي عراقي مغترب
حكاية واقعية – وأنا شاهد عليها – تبوح بمغزى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسيمياء العنوان ومفرداته السوسيولوجية.
حضرتُ حفلة تخرج أحد أبنائي من كلية الصيدلة في جامعة أوبسالا – السويد. ومن تقاليد الجامعة أن يُلقي عميد الكلية محاضرة موجزة على الخريجين في أصول التعارف والتشجيع. وفي نهاية اللقاء قال العميد:
"أبنائي الأعزاء، خرجتُ أمس مع كلبي (مولا) في نزهة، وعلَّمته اللغة السويدية!"
أثار هذا القول موجة من الدهشة والاستغراب في القاعة، فسأله أحد الطلاب المتخرجين:
– وهل تعلَّم يا دكتور؟
أجاب:
– ليس من الضروري أن أعرف هل تعلَّم أم لا. فإذا تعلَّم فهو أمر جيد ومفيد، وإن لم يحاول أن يتعلم فسوف يبقى كلباً غبياً لم يطور نفسه.
المغزى متعدد المقاصد؛ فثمة مقصد تربوي تشجيعي موجَّه إلى الخريجين في مواجهة الحياة العملية وآفاق المستقبل، عبر المصالحة مع الذات أولاً، وتجريدها من الاغتراب، وبمقاربة وجدانية تقوم على إشراك القلب والعقل – وما أروع أن يتوافقا! – في صياغة الوجود المصيري الذي أراد العميد التربوي ترسيخه.
أو إنه ينطبق على ملفات وطني العراق وجراحاته العميقة والواسعة منذ تأسيسه حتى الآن، ولا سيما بعد الاحتلال عام 2003، وعلى امتداد أكثر من عقدين. وهو الوطن الوحيد الذي تشتت بين خرائط العالم، وكأنه يسير في نفق واحد ذي نهاية مغلقة، وتلك هي مأساتنا التراجيدية التي تبدو وكأنها تفتقد مسك الختام، بل كأن مسك الختام محرَّم عليها.
إن الحكومات المتعاقبة تبدي عدم الاكتراث بالنهج الحداثوي الرقمي، في وقت يشهد فيه العالم تسارعاً وتنافساً في اعتماد الحداثة الرقمية، وإخضاع العملية التربوية لإشراف وزارة التعليم العالي ووزارة التخطيط، اللتين يقع على عاتقهما دراسة حاجات المجتمع بنهج وطني مسؤول وهادف، وتحسين العملية التربوية، والاستفادة من التجارب الحداثوية، مثل التجربة الديمقراطية في تنزانيا، ودبي، ورواندا.
وليس بالضرورة أن تكون هذه الدول قد تعلمت سريعاً، إلا أنها تفهمت منطلقاتها الإيجابية، وربما اعتمدت مبدأ التدرج، حيث وضعت قدماً في مسيرة الألف ميل، عبر تطبيق الدفع الإلكتروني في بعض مناطق بغداد العاصمة، وكذلك تطبيقها التجريبي للأتمتة والحوكمة في المنافذ الحدودية، حيث بلغت إيراداتها، بحسب تصريح شبكة الإعلام العراقية بتاريخ 1-6-2026، نحو 5.1 مليارات دولار.
في الجزء الأول من البحث المعرفي والتقييمي للدكتور سعيد إسماعيل ندا، يتناول دراسة مستفيضة عن "مستقبل التجربة الديمقراطية في تنزانيا" بعد انتخابات عام 2015، والمنشورة في مجلة "آفاق أفريقية" لعام 2016. ويتناول بالتحليل التحولات السياسية والحزبية، والتحديات التي تواجه الديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية في البلاد، ومدى مطابقتها للنهج الديمقراطي الحكومي.
ولمستُ اعتماد الباحث روحاً وفكراً في الدعوة إلى التخلص من الدولة الورقية، والتماهي مع العالم المتحضر، الذي يتسارع نحو الإفادة من إيجابيات الذكاء الاصطناعي، بوصفه رافعةً مفصلية حساسة وشفافة في إدارة الدولة المدنية الديمقراطية المؤسساتية، وفي البنك المركزي، وديوان الرقابة المالية، والكمارك، وهيئة الضرائب، والمنافذ الحدودية، والمطارات.
ثم يسترسل الباحث في نصه السردي، بعفوية مسؤولة وجادة، في عرض بعض الرؤى السلبية والإيجابية لسوسيولوجية المجتمع التنزاني. ويقوم نظام الحكم على هيئة رئاسية برلمانية منذ عام 1992، وقبل هذا التاريخ كانت تنزانيا ترزح تحت كابوس الحزب الواحد لعقود، وهو حزب تشاما تشا مابيندوزي (CCM)، الذي ظل الحزب الرئيس منذ الاستقلال وحتى اليوم.
ووافقت الحكومة عام 1995 على التعددية الحزبية والسياسية، وسمحت بعمل أحزاب المعارضة. ومنذ انتخابات عام 1995، تُجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية دورية.
ومن سمات الوضع في تنزانيا أنها لم تشهد حرباً أهلية، كما حدث في رواندا وأنغولا والسودان. نعم، شهدت بعض المناوشات والاحتكاكات والتوترات السياسية بين الحزب الحاكم والمعارضة، ولا سيما عام 2025، وربما وقعت بعض الأحداث الدموية، كما حدث في زنجبار خلال انتخابات عامي 1995 و2015، إلا أنها، على العموم، لم تصل إلى مستوى الحرب الأهلية.
ويعتبر الباحث الدكتور سعيد إسماعيل ندا تنزانيا أكثر دول شرق أفريقيا استقراراً سياسياً مقارنةً بالدول الإقليمية المجاورة. وقد حافظت على السلام الداخلي والتعايش الديني، إذ يشكل المسلمون نحو 60% من السكان، والمسيحيون نحو 40%، إلى جانب أقليات دينية محلية أخرى.
وأفهم من البحث أن تنزانيا حققت قصب السبق في ترسيخ ثقافة المواطنة، حيث اندمجت زنجبار مع تنجانيقا عام 1964، لتولد جمهورية تنزانيا المتحدة.
ودفعني الفضول البحثي إلى الغوص عميقاً في البحث، ومن دون واقيات غرق، ما دامت الغاية تتمحور حول الأنسنة والتحرر. واستثمرت فرصة الاطلاع والتحقق من مصادر البحث التي اعتمدها الدكتور سعيد، فوجدته قد حصرها في ثلاثة مصادر رصينة ودقيقة وواسعة الانتشار:
1- غوران هايدن (Göran Hyden) – كتاب"تنزانيا في أفريقيا نموذج للاستقرار السياسي والتعايش الديني".
2- تانونيشي – كتاب"بناء أمة".
3- كاتارينا سنايدر – كتاب"الديمقراطية والتحول السياسي من القاعدة إلى القمة في تنزانيا".
واستحضرت اسم الكاتب والباحث السويدي الكبير البروفيسور الدكتور غوران هايدن (Göran Hyden)، الذي شارك بحث الدكتور سعيد بمؤلف ثري موسوم "تنزانيا الأفريقية... نموذج للاستقرار السياسي والتعايش الديني". وقد تناولت هذا الكتاب بقراءة تنويرية نقدية، ركزت فيها على أبرز أفكاره ورؤاه حول الديمقراطية وعلاقتها الوثيقة بركائز الاستدامة الاقتصادية والمالية، ودور الحوكمة والأتمتة في بناء الدولة التنزانية الحديثة.
ويسترسل المؤلف في الحديث عن الانتقال إلى الديمقراطية بقرارات فوقية، مع استمرار هيمنة الحزب الحاكم CCM منذ عام 1965، وما رافق ذلك من تحديات في بناء معارضة سياسية حقيقية.
ويشير الدكتور هايدن إلى أهمية توجه الحكومة التنزانية نحو التنمية المستدامة في الريف، من خلال تطوير الزراعة علمياً، وربطها بالنهضة العمرانية والبنى التحتية، بما يسهم في الحد من الهجرة إلى المدن.
كما يشير إلى تجربة "أوجاما" (Ujamaa)، وهي فلسفة اشتراكية أفريقية تعني "الأسرة الممتدة" أو "التكافل الأسري"، وقد تبناها الرئيس جوليوس نيريري، واعتمدت على تأميم البنوك والمصانع الكبرى، والاعتماد على القوى الوطنية بدلاً من الأجنبية. إلا أن هذه التجربة تعرضت لانتكاسات نتيجة عوامل داخلية، فضلاً عن الضغوط الغربية والأمريكية.
ويضيف الدكتور هايدن أن تنزانيا ليست الفردوس المفقود؛ فهي تعاني الفقر والبطالة والمرض، فضلاً عن تحديات اقتصادية وسياسية، ولا سيما في مواسم الانتخابات، حيث تظهر بعض التوترات القبلية والدينية. ومع ذلك، بقيت محصنة إلى حد بعيد من الانزلاق إلى الحرب الأهلية التي شهدتها دول مجاورة، مثل أوغندا ورواندا والكونغو والسودان.
ورغم أن تنزانيا تتميز بتعددها السكاني والقبلي والديني، فإنها استطاعت بناء هوية وطنية جامعة، وهو ما استدعى إلى ذهني محاضرة قديمة حضرتها قبل أكثر من ستين عاماً في جامعة بغداد، ألقاها أستاذ هندي يُدعى غوتا، كتب خلالها على السبورة باللغة الإنجليزية:
Iraq is an Ethnological Museum
أي: «العراق متحف إثنولوجي»، في إشارة إلى تعدديته القومية والدينية والمذهبية والقبلية، وهي تعددية يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة إذا أُحسن إدارتها، وقد تصبح مصدر انقسام إذا غابت عنها الدولة الجامعة.
وفي القسم الأخير، نعود إلى بحث الدكتور سعيد إسماعيل ندا، وكيف يقرأ أسباب نجاح الديمقراطية في التجربة التنزانية الرائدة:
• رفضت الحكومة الجديدة إملاءات الخارج الإقليمي والغربي، وحافظت على استقلال القرار الوطني.
• ألغت التمييز القبلي من الدستور، ورفعت شعاراً وطنياً جامعاً " نحن تنزانيون أولاً".
• نجحت في توحيد أكثر من (120) قبيلة تتحدث لغات ولهجات متعددة، واعتمدت اللغة السواحيلية لغةً وطنية جامعة، انطلاقاً من قناعة دستورية مفادها أن اللغة هوية وطنية.
• سنت قوانين صارمة لمواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز السلم الأهلي والوحدة الوطنية.
• انتهجت سياسة تقوم على رفض التدخلات الخارجية في رسم خياراتها السياسية والاقتصادية.
• أولت مكافحة الفساد الإداري والمالي أهميةً كبرى، وأقرت تشريعات للمساءلة والشفافية، في إطار مبدأ"من أين لك هذا؟".
• اعتمدت هيكلاً سياسياً يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني، بما يحقق قدراً أكبر من الاستقرار السياسي. وهنا أجدني أميل إلى تأييد الباحث في هذه النقطة، لما توفره من توازن بين السلطات، إذا ما أحسن تطبيقها.
• عملت على تحقيق التكامل الاقتصادي والاندماج الكامل بين مختلف أقاليم تنزانيا، بما يخدم الاستدامة الاقتصادية والمالية، مستفيدةً من الحوكمة والأتمتة والتحول الرقمي في إدارة مؤسسات الدولة.
إن التجربة التنزانية لا تمثل نموذجاً مثالياً خالياً من العيوب، لكنها تقدم درساً مهماً للدول التي تبحث عن بناء دولة مستقرة، قوامها المواطنة وسيادة القانون، وإدارة التنوع بوصفه مصدر قوة لا سبباً للانقسام.
ولعل أهم ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو أنها لم تبدأ بالاقتصاد، بل بدأت ببناء الهوية الوطنية، وترسيخ مفهوم المواطنة، ثم انتقلت إلى الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي، وهو ترتيب يكاد يكون مفقوداً في كثير من تجارب العالم الثالث.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.