درويش الشعر عزيز السماوي نخلة عراقية قتلها عطش الغربة والنفي
ولد عزيز السماوي 1948 عام ولم يمت حتى الآن !!
عزيز السماوي رثى نفسه قبل موته بأكثر من خمسة وثلاثين عاماً!
أرادوا له، أن يكون منفياً، فارتد إلى وطنه، وشاعرا حاضراً، فارتد إلى ماضيه، وشاعراً فصيحاً، فارتد إلى لهجته.
مدار الناس- اعداد- د. سلام قاسم
ولد الشاعر عزيز السماوي في 20 ديسمبر 1942 بالديوانية وعاش في بغداد قبل اضطراره للرحيل الى المنفى عام 1978 حيث توفى في لندن في الثامن من حزيران عام 2001.
نتحدث عن الشاعر الشهيد عزيز السماوي كما نتحدث عن اي شاعر اعتيادي ! ونتساءل عن المناضل عزيز السماوي كما نتساءل عن اي مناضل آخر ! وإذا تحدثنا عن الغربة والعذاب فنحن سنتحدث عن عزيز السماوي دون حاجة ان نميزه عن الآخرين ! ولكننا حين نتحدث عن الشاعر والمناضل والمغترب معا في عزيز فردا فأننا عندها سنغير النبرة ونقوم البوصلة ! فعزيز لم يكن منتميا للشعر منذورا له حسب، بل كان عزيز مزيج انتماءات ولم يكن الانتماء فيه الى الشعر ليؤثر سلبا في انتمائه للوطن ! و انتماؤه للوطن لم يكن ليؤثر سلبا على انتمائه للأممية الديموقراطية !
عذابات القصيدة تبدأ من هذه ! من وحدة الانتماءات العضوية لدى السماوي ! نعم كان يسمع بملء اذنيه انه شاعر مغاير وان له فتوحات في الصور الفنية فيفرح منكسرا !
وكان يقرأ عن تجربته مع النضال والسجن والاغتراب بلهجة حميمة فيفرح بانكسار ايضا ! لأن النجاح ينبغي ان يكون للشعر وللشاعر والوطن والديمقراطية معا وسوية فعزيز لا يرى مسافة بين الوطن والقصيدة مثلا ! فكانت تصريحاته عن تجربته الشعرية محسوبة بالنسبة له ! فكم من مرة قال للصحفي الذي يحاوره ارفع هذا السؤال ارجوك ! او ان يهاتف الصحفي قبيل دفعه المقابلة للصحيفة : ارفع جوابي عن السؤال الثالث مثلا ! وهي خلق لايفقهها سوى المبدعين الكبار !
فالمبدع الكبير وحده هو الذي لا يضيق ذرعا بالشعراء الذين يسرقون من شعره ! ولا يتذمر من طحالب تترسم خطاه ! كان يضحك حين يقال له قصيدتك يا ابا مخلص "لهفها" فلان ! وكان يغضب اذا قيل له انت اشعر من فلان ! لاعتبارات فنية ! وهو ان باب المقايسة والمقارنة غير مستساغ حتى بين التوائم السيامية !
عزيز السماوي ضائع وضالته الفرح ! العراق مضيع وضالته الفرح ! الأممية متعبة وضالتها الفرح ! ولكن اين هو الفرح ؟ الفرح حق طبيعي للصوص والأغبياء ومعطوبي المروءة ! قد يتوهم عزيز السماوي ان الفرح ممكن ان يزوره ! وقد يزور الفرح حقا قصيدة السماوي عزيز ! ولكن الفرح سرعان ما يكتشف انه اخطأ العنوان ! ولكن عزيز السماوي سرعان ما يكتشف ان الفرح خطار ملول وعجول !!
توهم السماوي أن الفرح ممكن أن يزوره، وقد يزور قصيدته، لكن السماوي سرعان ما أكتشف أن الفرح خطار ملول وعجول، حتى أن قصيدته المغناة خطار موضوعها الفرح ، لكن الفرح لا يرد سوى ببيتها الأول لتتحول إلى قصيدة حزن:
خطار عدنه الفرح اعلك صواني اشموع
خافن يمر بالعجد ، رش العجد بدموع
يا قلبي ، وين الحزن...حدر الحدر مرفوع
دومك تون ، ونتك تبكي ابدمع مفجوع
بالك تصيح ابحزن صوت الحزن مسموع
عزيز خارج القصيدة درويش كما هو داخل القصيدة ! طفولته التي رواها لي اختزنته في ذاكرتي، درويشا صغيرا ! كان سريعا ما يألف الناس وكان سريعا من يرتعب منهم ويهرول بعيدا بعيدا غير مصدق ان الناس خراب لأرواح مخلوقات منقرضة ! هو درويش باختياره! هو وبإرادته هو ! فأي شيء يخشاه الدرويش حين يهيم في البرية ! كل شيء ولاشيء ! العشبة والورقة هما زاد الدرويش زمن العبور الى كهف الرؤيا ! الرؤيا ! الدرويش شاعر رؤيوي ! الشاعر درويش رؤيوي ! الرؤيا طقس درويشي ! الم يقلها الدرويش الصوفي من قبل ( نظري بدء علتي / ويح قلبي وما جنى ) ! الم تقل افتتاحية جلجامش ( هو الذي رأى كلَّ شيء ) اذن لماذا لا يقول الدرويش السماوي رؤياه ! لماذا لا يقول لهاجسه تعال لتسطع في روحي كي تتهادى سفائن الحلم بروحي و أجيك منحدرا مع الماء ... الخ !! قارن :
اريدك كَمرة تضوي الروح
واتحدِّر مشاحيف الحلم بالروح
واجيك ابحسبه حداري
وارد بين الكَصب مشحوف
ويطكَـ مني الضمير اشراع
ابا مخلص كتب أغاني الدرويش قال فيها:
اريدك كَمرة تضوي الروح
واتحدِّر مشاحيف الحلم بالروح
واجيك ابحسبه حداري
وارد بين الكَصب مشحوف
ويطكَـ مني الضمير اشراع
في أيام السبعينات، كان عزيز السماوي يردد دائماً، أنه كلما سمع إطلاق نار، يتحسس موقع رصاصة في جسده. ولم يكن مغالياً أو خائفاً، ففي تلك الأيام كان إطلاق النار في العراق، لأغراض الاغتيال خاصة، كثيراً ومألوفاً، وكان عزيز مستهدفاً مثل كثيرين من مبدعي ومثقفي وسياسي العراق.
وهاهو يموت ووشم تلك الرصاصة الطائشة محفور في روحه، لقد مات عزيز السماوي برصاصة المنفى الأشبه برصاصة الرحمة.
وعزيز السماوي ليس شاعراً آخر يموت في المنفى، بل نخلة عراقية قتلها عطش الغربة والنفي.
مات عزيز غيلة وكمداً، ومن يعود إلى شعره سيتأكد من هذه الحقيقة. فقد كان يكتب شعره بعصارة القلب وبوجع الغريب المجروح طولاً وعرضاً، وكان يحاول دائماً ترميم الأشياء من حوله، (من حولنا) الأشياء الكثيرة المنكسرة والمتهدمة في روحه، وفي أرواحنا، الأشياء التي علاها الصدأ أو طاولها النسيان أو غادرها البريق. كان جلاءً كبيراً لمعادن البطولات الغابرة، والمواقف الإنسانية الأثيرة، والشخصيات النادرة، والأماكن الأليفة، وصفاء السرائر، والقلوب المشبوبة بالعواطف والقيم النبيلة. لهذا كان يكتب بعاطفة عميقة عن هذه الأشياء. فكتب عن البصرة، لا كمدينة أحبها وعاش فيها وله من أهلها أصدقاء وزملاء وذكريات، حسب، بل كتب عنها كأم من لحم ودم، يتذكر حنوها وطعم حليبها وحزنها، ويتوجع لوجعها المديد:
البصرة ليل ونجم خايف
البصرة فانوس إنطفى بليل الصرايف
البصرة صحوة حلم وأسرار
البصرة ليل وشمس آذار
البصرة موقد جمر يخضر بالظلام أسرار
البصرة وسط الكلب كل العمر خطار.
وليست البصرة وحدها، من منحها عزيز السماوي هذا الحنو، بل بغداد والسماوة والديوانية والحلة، وسواها من المدن العراقية، التي كانت بالنسبة له، لا مجرد مدن مبنية من الطين والطابوق، إنما علامات محفورة في الروح ومشغولة من زمن وأشواق ونهارات وأقمار وبطولات وشجاعات وعشق لا ينتهي ولا يتوقف.
السماوي اسطورة في التحسس الجمالي مع النغم، حاول ان ينقل الى القصيدة، صوت المطبج، وزفيف النوارس، بين الهور والقصب، وانزلاق المشحوف في المساء ، وصهيل الخيل، وهديل الحمامة، وفحيح الافعى . . وقد وفق كثيرا في مسعاه، لولا ان داهمته الغربة، والمرض الغادر .
أخاف
أخاف
أخافن حتى من روحي
أنه بليّاك
سيف ايعارج بروحه
أنه بليّاك
أركص
يركص خيالي لهب عالكاع
ومثلما هي المدن، محالة في نصه الشعري، إلى نبض حي يجري في العروق والأوردة، كذلك هم الناس، أصدقاء، وشعراء، وأصحاب سيّر بطولية، فقراء وشرفاء، يحالون، دائماً، إلى البهاء والصفاء الروحي وقيم البطولة والنبل والشهامة. فهؤلاء، بالنسبة لعزيز، مشاريع تغيير محتملة ودائمة، من حياة ناقصة ومثلومة وثقيلة الوطأة، إلى حياة أفضل وأجمل وأبهى.
لقد أعطى عزيز السماوي للشعر الشعبي العراقي، وهو من أبرز مجدديه، نكهة خاصة، وخاصة جداً، فهو لا يشبه أحداً في كتابته للقصيدة ولا أحد كان يشبهه في ذلك. وخصوصية قصيدته مستمدة من وعي عميق بدلالات اللغة الشعبية (المحكية) ومخزونها الغني المكتنـز بالإيحاءات والصور والإحالات والظلال، وكل ماله صلة لصيقة بيوميات الناس وهمومهم وتعبيراتهم وتأملاتهم الوجدانية.
لهذا تبدو قصيدته متصلة، تمام الاتصال بموضوعاتها الإنسانية الجمالية والفنية، مثلما تبدو متفردة بتقنيتها وبلاغتها وصورها.
لم أصادف شاعراً يستخدم جسده وأصابع يديه وعينيه وتنويعات صوته، في تجسيد الصورة الشعرية، مثلما يفعل عزيز السماوي ذلك حين يقرأ قصائده. وما يضفي على هذا الاستخدام نوعاً من المشهدية المؤثرة، قيامه بتجسيد حركة الجسد واليدين والأصابع وتجهم الوجه وانفراجه تبعاً لحركة وإيحاء الصورة الشعرية، تساعده في ذلك طريقته المدهشة في قراءة شعره، قراءة ممسرحة تضفي على أجواء القصيدة طقساً خاصاً يعمّق من أسئلتها وإيحاءاتها الجمالية.
رحل السماوي وهو رهين المنفى، لا صحبة تتبعه في طريقه الى القبر، ولا الاهازيج الفراتية، التي تربى عليها في مدينته الديوانية، تخلد ذكراه وتتغنى بأخلاقه ، وشعره، رحل تاركا لنا دواوينه الشعرية، وتأريخا مشرفاً، جعله علماً في عالم الشعر والشعراء الكبار، أمثال النواب، وعريان، وكاظم اسماعيل كاطع، وغيرهم. رحل عزيز بصمتِ في لندن، منفاه القسري. لم يكن السماوي من الخائفين من موت الجسد، ولكن من موت القيم والروح والضمير. السماوي درويش الشعر ، كان نخلة عراقية قتلها العطش، والغربة، والمنفى.
عزيز السماوي رثى نفسه قبل موته بأكثر من خمسة وثلاثين عاماً!
وظل صوت السماوي عاليا.. رغم المنافي.. وظل العراقُ يوغل في البعد، فيما نحن نتغلغل في العراق أكثر، ونُمتَحَنُ به أكثر، ونُطعِمُهُ لحمنا وروحنا أكثر، وهو يكبر فينا فنكبر به، ونتمناه فيعزّ علينا، فيما هو يُغْنينا بالخيال الماضي، ونحن نُغْنيه بالمستقبل الآتي.. الذي نتمنى أن نحكيه لعزيزنا (عزيز السماوي).. الذي غادرنا..
السماوي الذي، كأنما رثى نفسه قبل موته بأكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً، حين قال عام 1965:
مخنوك ما بِيَّه أسولف لِلْخَلَكْ
وايامي شجرة ضيم ما بيها وَرَكْ
ماي الفرح بِسكوت بحلامي مركْ
رديتْ بوشالة عُمُرْ
وَك يا عُمُرْ..
والضحكة ماتت بالصّدِرْ
رديتْ مهضوم السوالف تترس سنين العُمُرْ
دمع الخواطر هالطفح.. والسّهَر هَدَّم كل كترْ
صدماتْ بدروب الكبُرْ
موطلفح كْليبي صَبُرْ
بعد الهجر..
لا تنتظر..!


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.