رفاق النقد والنقد الذاتي… انتقد كما تشاء، بس لا توصل لبابي!

أبرز النقاط

  • الفجوة بين الفكرة والممارسة: الانتساب إلى اليسار لا يكفي وحده لإثبات الالتزام بقيمه، فالمعيار الحقيقي هو السلوك، ولا سيما عند الاختلاف وتلقي النقد.
  • النقد لا يكون أحادي الاتجاه: "النقد والنقد الذاتي" يفقد معناه عندما يُسمح للمسؤول بنقد الآخرين، بينما يُنظر إلى نقده بوصفه تمرداً أو خروجاً عن الانضباط.
  • الانضباط ليس طاعة عمياء: التنظيم يحتاج إلى الالتزام، لكنه يحتاج كذلك إلى السؤال والمراجعة والاعتراض المسؤول، لأن التنفيذ من دون نقاش قد يحوّل العضو من شريك في صناعة القرار إلى مجرد منفّذ له.
  • حرية الرأي تبدأ من الداخل: لا تكفي الدعوة إلى تحرير المجتمع والإنسان من الوصاية إذا كانت المؤسسة السياسية نفسها لا تتسع للرأي المختلف، فاختبار الديمقراطية الحقيقي يبدأ عندما يصل النقد إلى أبواب أصحاب القرار.

د. سلام قاسم

في تاريخ اليسار العراقي أسماء دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن أفكارها ومواقفها، وتركت أثراً لا يمكن إنكاره. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الانتماء إلى اليسار مجرد عنوان، فيما يكون السلوك على الضفة الأخرى تماماً.

وهنا تحضر صورتان لا تحتاجان إلى كثير من الشرح.

الأولى تذكّر بالمثل البغدادي "يقرص ويضم راسه".

يفتعل المشكلة، أو يسهم في إشعالها، ثم يتراجع إلى الخلف بهدوء، ويراقب ما صنعته يداه بملامح مَن لا يعرف من أين بدأت الحكاية. وإذا ارتفعت الأصوات، خرج مستغرباً ليسأل "خير إن شاء الله... شنو صاير؟"

يا معود، أنت تعرف شنو صاير!

فالمشكلة ليست في الخطأ وحده، كل إنسان يخطئ. المشكلة في أن تصنع الأزمة، ثم ترتدي ثوب الحياد، وربما تتقدم بعد ذلك لتلقي على الآخرين محاضرة في الحكمة وضبط النفس والتسامح. يضع السم في الكأس، ثم يجلس معنا يناقش أسباب مرارة الماء!

أما الصورة الثانية، فهي أكثر غرابة، شخص لا يحتاج إلى صناعة الأزمة، يكفيه أن ينتظر وقوعها على رأس غيره، ثم يطل من بعيد مستمتعاً بالمشهد. فالشماتة عنده ليست انفعالاً عابراً، بل تكاد تتحول إلى موقف.

وحين تصيب خصمه خسارة أو محنة، يستخرج دفاتر الحساب القديمة، وكأن مصائب الناس فرصة لتصفية الخصومات. لكنه ينسى حكمة يعرفها العراقيون جيداً "الدنيا دوارة"، وما تضحك عليه اليوم قد يطرق بابك غداً.

وبين من "يقرص ويضم راسه"، ومن يصفق سراً حين تقع المصيبة بغيره، ينبغي ألا تحمل الفكرة وزر المنتسبين إليها.

فاليسار، بوصفه تياراً فكرياً وسياسياً، ارتبط في أدبياته بقيم العدالة الاجتماعية والتضامن والدفاع عن الإنسان. ولذلك فإن الانتساب إليه لا تمنحه بطاقة العضوية الأخلاقية تلقائياً، فالمعيار في النهاية هو السلوك، لا اللافتة المعلقة على الباب.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن بعض هؤلاء يستطيع أن يحدثك طويلاً عن "النقد والنقد الذاتي"، ويطالب الآخرين بمراجعة أخطائهم والاعتراف بها.

لكن ما إن يصل النقد إلى بابه، حتى تتغيّر القواعد، ويتحوّل "النقد والنقد الذاتي" من مبدأ معلن إلى قاعدة لها استثناء واحد "انتقد مَن تشاء، لكن إيّاك أن يصل النقد إلى بابي".

فإذا وصل، لا تبدأ المناقشة، بل قد يبدأ التعميم، قاطعوه، لا تتعاملوا معه، وأغلقوا الأبواب في وجهه.

والمفارقة أن صاحب التعميم يعرف جيداً أن بين الرفاق مَن تربّى طويلاً على ثقافة الانضباط الحزبي الصارم، حتى اختلط عند بعضهم الالتزام بالطاعة، وصار تنفيذ القرار أسرع من السؤال عن أسبابه. يصل التوجيه، فيُنفذ، أما السؤال، لماذا؟ وعلى أي أساس؟ وهل القرار عادل أصلاً؟ فتلك أسئلة قد لا تجد لها مكاناً.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن اليسار الذي جعل من العقل النقدي إحدى أدواته في قراءة المجتمع والتاريخ، لا يستقيم أن يتحول داخله النقد إلى امتياز يمارسه المسؤول على الآخرين، ثم يصبح تجاوزاً حين يمارسه الآخرون عليه.

فالنقد الذي يتوقف عند باب المسؤول ليس نقداً، والانضباط الذي يلغي حق السؤال ليس وعياً، والرفيق الذي يُطلب منه التنفيذ بلا نقاش يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، من صاحب فكرة إلى منفّذ لها.

ولعل أكثر المفارقات مرارة أن نتحدث طويلاً عن تحرير الإنسان من الوصاية، ثم ننزعج عندما يحاول الرفيق أن يحرر رأيه منها.