لماذا يبدو اليساري المستقل أكثر فاعلية من اليساري الحزبي؟
أبرز النقاط
- التنظيم يفقد ميزته حين يقيد المبادرة: قوة الحزب الحقيقية في جمع الطاقات، لكن انتظار القرار والخشية من مخالفة القيادة قد يجعلان المستقل أسرع استجابة لقضايا المجتمع.
- الانضباط يتحول إلى أزمة عندما يحاصر النقد: حين تصبح الطاعة معياراً للالتزام، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه مشكلة، يخسر التنظيم المثقفين وأصحاب المبادرات ويضعف تجديده الداخلي.
- تشرين كشفت الفجوة بين الشارع والتنظيم: أظهرت احتجاجات 2019 أن المجتمع يستطيع التحرك خارج الأطر الحزبية، وأن الحزب الذي يتردد أمام حراك لم يصنعه قد يجد نفسه متأخراً عن جمهوره الطبيعي.
- الأزمة ليست بين "المستقل" و"المنظم": الحل ليس التخلي عن التنظيم، بل بناء حزب ديمقراطي يجمع حرية المستقل مع قوة العمل الجماعي، لأن المبادرة الفردية بلا تنظيم محدودة، والتنظيم بلا حرية يتحول إلى هيكل عاجز عن التجدد.
أزمة المبادرة والديمقراطية الداخلية في اليسار العراقي
د. سلام قاسم
ليس الانتماء الحزبي عائقاً أمام النشاط السياسي، كما أن الاستقلال لا يمنح صاحبه بالضرورة وعياً أعمق أو تأثيراً أكبر. فالتنظيم السياسي، عندما يكون ديمقراطياً وفاعلاً، يستطيع بناء الخبرات وتوحيد الجهود وتحويل المبادرات الفردية إلى قوة اجتماعية مؤثرة.
لكن واقع اليسار العراقي يطرح سؤالاً يستحق المناقشة. لماذا يبدو كثير من اليساريين المستقلين أكثر حضوراً وجرأة ومبادرة من رفاقهم المنتمين إلى التنظيمات الحزبية؟
الإجابة لا تتعلق بكفاءة الأفراد أو إخلاصهم لقناعاتهم، بقدر ما ترتبط بطبيعة التنظيم، وحدود الحرية داخله، وقدرته على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية. ويمكن اختصار ذلك بما يلي:
أولاً: حرية المبادرة في مقابل انتظار القرار
يمتلك اليساري المستقل مساحة أوسع للحركة والتعبير. فهو لا يحتاج إلى موافقة لجنة حزبية ليعلن موقفاً من الفساد أو انتهاك الحريات أو تدهور الخدمات. يستطيع أن يكتب وينظم ويحتج ويتواصل مع الآخرين دون المرور بسلسلة من التوجيهات والموافقات التنظيمية.
في المقابل، قد يجد العضو الحزبي نفسه مقيداً بحسابات القيادة وتحالفاتها السياسية، حتى عندما يتعارض الصمت مع قناعاته الشخصية.
وهنا تظهر المفارقة، قد يمتلك الحزب عشرات المثقفين وأصحاب الخبرة، لكنه يعجز عن توظيف طاقاتهم، بينما يستطيع مستقل واحد أن يثير نقاشاً عاماً واسعاً بموقف جريء أو مبادرة مؤثرة. مثال على ذلك السيد كامل عبد الرحيم، الذي يعد من المثقفين القلائل، الذين يستطيعون اثارة الرأي بما ينشر من قالات تمس المجتمع بصورة عامة والمشهد الثقافي العراقي بصورة خاصة.
ثانياً: حين يصبح الانضباط بديلاً عن التفكير
تحتاج الأحزاب السياسية إلى الانضباط لضمان وحدة العمل، لكنها تفقد حيويتها عندما يتحول الانضباط إلى طاعة عمياء، والنقد إلى مخالفة تنظيمية، والاختلاف إلى تهمة.
وتتجلى هذه المشكلة في طريقة تعامل بعض التنظيمات مع المثقفين والناشطين اليساريين المختلفين مع قياداتها. فعندما يُقاطع مثقف بسبب آرائه، أو تُعرقل ندوة فكرية لأنه ينتقد سياسة الحزب، فإن المشكلة لا تعود خلافاً سياسياً طبيعياً، بل تتحول إلى أزمة في فهم الديمقراطية ذاتها. مثال على ذلك، ما حصل مع السيد مازن الحسوني، عندما الغيت ندوة ثقافية له، لسبب بسيط، كونه مختلف بالرأي مع بعض التوجهات دتخل المنظومة الحزبية.
فالحزب الذي يطالب بحرية التعبير في المجتمع، ثم يضيّق مساحة الاختلاف داخل صفوفه أو في محيطه الفكري، يقع في تناقض بين المبادئ التي يعلنها والممارسات التي يتبناها.
والأخطر أن مثل هذه الممارسات لا تعزل المختلفين فحسب، بل تدفع أصحاب المبادرات والكفاءات إلى الابتعاد عن التنظيم، فيخسر الحزب تدريجياً جزءاً من رصيده الفكري والاجتماعي.
ثالثاً: الشارع يتغير والتنظيمات تتأخر
كشفت انتفاضة تشرين العراقية عام 2019 عن فجوة واضحة بين حيوية الشارع وبطء استجابة بعض التنظيمات السياسية، بما فيها قوى يسارية كان يُفترض أن تكون الأقرب إلى مطالب الفئات الشعبية.
ولعل المثال الأبرز موقف الحزب الشيوعي العراقي عشية انطلاق تظاهرات الأول من تشرين الأول 2019، حين صدر توجيه تنظيمي، وصلتني نسخة موثقة منه، يدعو أعضاء الحزب إلى عدم المشاركة في التظاهرات، بحجة أن الجهة الداعية إليها غير معروفة، وأن أهدافها غير واقعية وأساليبها غير سلمية. ولم يكتفي التوجيه بالدعوة إلى المقاطعة، بل طلب من اللجان المحلية والقيادية متابعة تنفيذ القرار.
تكشف هذه الواقعة عن مشكلة أعمق من مجرد خطأ في تقدير الموقف السياسي، إنها تعكس ذهنية تنظيمية تميل إلى الارتياب من الحراك الشعبي الذي لا ينطلق من داخل أطرها أو يخضع لتوجيهاتها.
والمفارقة أن الاحتجاجات التي دُعي أعضاء الحزب إلى مقاطعتها تحولت إلى واحدة من أبرز الانتفاضات الشعبية في تاريخ العراق الحديث، ورفعت مطالب تتقاطع مع ما ظل اليسار ينادي به لعقود، العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد، ورفض المحاصصة، واستعادة الدولة من قبضة القوى المتنفذة.
لقد أثبتت تشرين أن المجتمع قادر على إنتاج مبادراته وقياداته الاحتجاجية خارج الأطر الحزبية التقليدية، وأن التنظيم الذي يعجز عن قراءة التحولات الاجتماعية قد يجد نفسه متأخراً عن جمهوره الطبيعي.
وهنا يبرز سؤال جوهري، كيف يستطيع حزب يساري أن يطمح إلى قيادة التغيير الاجتماعي إذا كان يتردد في الانخراط في احتجاج شعبي لم يكن هو من دعا إليه؟
إن الدرس الذي قدمته تشرين لا يتمثل في انتفاء الحاجة إلى الأحزاب، بل في أن شرعية التنظيم لا تُستمد من تاريخه النضالي وحده، وإنما من قدرته على فهم حركة المجتمع ومواكبتها، حتى عندما تنطلق خارج إرادته.
رابعاً: استنزاف الطاقات في الصراعات الداخلية
تعاني بعض التنظيمات اليسارية من تضخم الاهتمام بالشؤون الداخلية على حساب العمل الجماهيري. فالصراعات على المواقع، والحساسيات التاريخية، والخلافات الشخصية، قد تستهلك وقتاً وجهداً يفترض توجيههما نحو قضايا العمال والفقراء والعاطلين عن العمل.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح معيار القرب من القيادة أحياناً أكثر أهمية من الكفاءة، ويُكافأ العضو المطيع بدلاً من صاحب المبادرة.
وهكذا يتحول التنظيم، الذي يفترض أن يكون وسيلة لتوحيد الطاقات، إلى إطار يستنزفها في خلافات داخلية لا تعني المواطن الذي ينتظر حلولاً لمشكلاته اليومية.
أما اليساري المستقل، فلا يتحمل غالباً هذه الأعباء التنظيمية، ولذلك يستطيع توجيه جزء أكبر من جهده نحو القضايا العامة.
لكن هذه الحرية لا تعني بالضرورة امتلاكه قدرة أكبر على تحقيق النتائج، فالمبادرة الفردية قد تكون سريعة ومؤثرة إعلامياً، لكنها تظل محدودة ما لم تتحول إلى عمل جماعي مستدام.
خامساً: بين الحضور الإعلامي والتأثير السياسي
ليس كل نشاط سياسي مؤثراً، ولا كل حضور إعلامي دليلاً على امتلاك مشروع للتغيير. فقد يكون اليساري المستقل أكثر جرأة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأسرع استجابة للأحداث، لكنه قد يفتقر إلى الأدوات التنظيمية التي تسمح بتحويل أفكاره إلى نتائج ملموسة.
وفي المقابل، يستطيع الحزب الديمقراطي الفاعل أن يحوّل المبادرات الفردية إلى حملات نقابية، وبرامج اجتماعية، ومواقف سياسية منظمة، تمتلك القدرة على الاستمرار والتأثير.
ولهذا، فإن المشكلة ليست في التنظيم بوصفه ضرورة سياسية، وإنما في نمطه وأساليب إدارته. فالتنظيم الناجح لا يصادر شخصية أعضائه، ولا يخشى استقلالهم الفكري، بل يستثمر تنوع آرائهم وخبراتهم لبناء قوة سياسية أكثر حيوية.
أما التنظيم الذي يقيس التزام أعضائه بمقدار صمتهم، فإنه قد يحافظ على وحدته الشكلية، لكنه يخسر تدريجياً قدرته على التجدد والتأثير.
اليسار بحاجة إلى تحرير طاقاته لا تقييدها
إن أزمة جزء من اليسار العراقي لا تكمن في نقص المثقفين أو المناضلين أو أصحاب الخبرة، بل في عجز بعض هياكله عن استيعاب المبادرة والاختلاف، وتجديد أدوات العمل السياسي والاجتماعي.
فالتاريخ النضالي، مهما كان مشرفاً، لا يمنح أي تنظيم حصانة دائمة من النقد، ولا يعوض غيابه عن هموم المجتمع وتحولاته.
وإذا أراد اليسار العراقي استعادة مكانته، فعليه أن يعيد النظر في علاقته بأعضائه أولاً، وبالمجتمع ثانياً. وأن ينتقل من ثقافة التوجيه إلى ثقافة المشاركة، ومن الانشغال بالخلافات الداخلية إلى العمل على قضايا الأجور والبطالة والخدمات والحريات والعدالة الاجتماعية.
والمطلوب ليس إلغاء التنظيم لصالح الاستقلال، ولا تمجيد المستقلين على حساب المنتمين، بل بناء تنظيم ديمقراطي يمنح أعضاءه حرية التفكير والمبادرة والمساءلة، ويفتح أبوابه للتعاون مع القوى اليسارية المستقلة على أساس البرامج والمصالح المشتركة.
فاليسار لا يستعيد حضوره بكثرة البيانات، ولا بالاكتفاء باستذكار تاريخه، وإنما بقدرته على العودة إلى المجتمع والدفاع عن مصالح الناس.
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع أن التنظيم الذي لا يتسع للاختلاف لن يتسع للمجتمع، والحزب الذي يخشى النقد لن يستطيع قيادة التغيير.
فالشارع ليس تابعاً للحزب، بل إن الحزب، في جوهر رسالته، وجد ليعبّر عن تطلعات الناس، لا ليفرض عليهم حدود حركتهم.



التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.