من كيمياءِ المادة إلى كيمياءِ الرواية: عن تجربة جميل موسى ضباب
ليس من السهل أن يجمع إنسانٌ بين برودة المعادلة وحرارة السرد، بين يقين المختبر وقلق الحكاية، لكن تجربة الدكتور جميل موسى ضباب تمضي في هذا التوتر الخلّاق، لا بوصفه تناقضاً، بل بوصفه انسجاماً عميقاً بين شكلين من المعرفة، كلاهما يسعى إلى فهم العالم، وإن اختلفت لغتهما.
فالكيمياء، في جوهرها، ليست سوى تأمّلٍ دقيق في تحوّلات المادة، والرواية، في جوهرها أيضاً، ليست سوى تأمّلٍ آخر في تحوّلات الإنسان، وبين التحوّلين، يقف هذا العقل ليعيد صياغة الأسئلة ذاتها، ولكن بأدوات مختلفة.
في المختبر، يتعامل العالم مع عناصر صامتة، يراقب تفاعلها، يقيس نتائجها، ويبحث عن قانونٍ يضبط سلوكها.
أما في الرواية، فالعناصر ناطقة، قلقة، مترددة، تخطئ وتُصيب، ولا تخضع دائماً لقانونٍ واضح.
ومع ذلك، فإن الحسّ العلمي لا يغيب، بل يتسلّل إلى النصّ على هيئة دقّة في البناء، وانتباهٍ للعلاقات الخفية، وقدرةٍ على الإمساك بالخيط الذي يربط الأسباب بالنتائج، حتى في أكثر اللحظات إنسانيةً وهشاشة.
وهنا تتجلّى فرادة التجربة، إذ لا يكتب الروائي بعاطفةٍ سائبة، ولا يفكّر العالم بجفافٍ مطلق، بل يلتقي الاثنان في منطقةٍ وسطى، حيث تصبح المعرفة حسّاً، ويغدو الحسّ معرفة.
ما يلفت في هذا المسار ليس الانتقال من العلم إلى الأدب، بل تجاوز هذه الثنائية أصلاً.
فالدكتور جميل لا يغادر الكيمياء حين يكتب، بل يحملها معه، لا كمصطلحاتٍ أو شروحات، بل كمنهجٍ في الرؤية.
إنّه يرى العالم بوصفه شبكةً من العلاقات، وكلّ شخصيةٍ في نصوصه يمكن أن تُقرأ كعنصرٍ داخل تفاعلٍ أكبر، يتأثر ويؤثر، يغيّر ويتغيّر، حتى تبلغ الحكاية لحظتها الحرجة، تلك اللحظة التي تشبه في العلم نقطة التحوّل، حيث لا تعود الأشياء كما كانت.
ومن هنا، فإن السرد عنده ليس حكايةً تُروى فقط، بل تجربةٌ تُبنى، تُختبر، وتُدفع نحو أقصاها.
ولعلّ الأهم في هذه التجربة أنّها تعيد الاعتبار لفكرةٍ طالما جرى تهميشها: أن المعرفة وحدة، مهما تعددت تجلياتها.
فالعالم الذي يُحسن قراءة المادة، يستطيع، إذا ما امتلك الحسّ الجمالي، أن يقرأ الإنسان أيضاً، لأن كليهما، في النهاية، قائم على نظامٍ خفيّ، وعلى توترٍ دائم بين الثبات والتغيّر، وحين يكتب هذا العالم روايته، فإنه لا يضيف نصاً إلى رفوف الأدب فحسب، بل يفتح نافذةً جديدة لرؤية العلاقة بين العلم والحياة، بين ما يُقاس وما يُعاش.
بهذا المعنى، تبدو تجربة الدكتور جميل موسى ضباب أكثر من مجرّد جمعٍ بين اختصاصين، إنها دعوة ضمنية إلى كسر الحدود، وإلى الإيمان بأن الإبداع لا ينتمي إلى حقلٍ بعينه، بل إلى قدرة الإنسان على أن يرى أبعد، وأن يعبّر أعمق.
فبين أنابيب الاختبار وصفحات الرواية، يولد صوتٌ مختلف، صوتٌ يعرف أن العالم لا يُختزل في معادلة، كما لا يُختزل في قصة، بل في ذلك التفاعل المستمر بين الاثنين، حيث تتشكّل الحقيقة، لا بوصفها جواباً نهائياً، بل كسؤالٍ مفتوح على الدوام.
سعد عزيز دحام


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.