هل آن الاوان

لكي ندرس تاريخ الدولة العراقية المعاصر باستخدام علم النفس السياسي

د. رياض البلداوي/ ستوكهولم

مرت قبل اشهر الذكرى المئوية لتأسيس الدولة العراقية الحديثة . قرن من الاحداث السياسية الكبيرة التي مر بها العراق وشعبه، اجزاء منها درست بإسهاب من باحثين عراقيين وعرب وأجانب ولكن اجزاء وأحداث اخرى لازال يكتنفها الغموض والظلام. الاحداث السياسية وتاريخها يصنع بناء على تراكمات اجتماعية واقتصادية متنوعة في اساسها وتعطي في المحصلة نتائجها على ما وصل له البلد. الاحداث والمتغيرات السياسية لها بعد اخر وهو البعد الانساني الذي له علاقة مباشرة بشخصيات التي قادت او تصدت لهذا او ذاك من الاحداث السياسة في العراق التي تصدى لها وقاد متغيراتها رجال اثروا على الحدث السياسي بما لهم من خلفية سياسية واجتماعية او طبقية. ولكن الاحداث والتغيرات لها بعد نفسي لان القائمين على الفعل او ردة الفعل هم اناس لهم مشاعر وأحاسيس وخلفيات اجتماعية وثقافية و اقتصادية مختلفة تؤثر وتتأثر بهذه المتغيرات. مهما كان المتصدي للعمل السياسي خبير بصنعته ومتقن للعبة ولكنه في قراراته لا يمكن إلا ان يتأثر بالعوامل النفسية الذاتية التي قد لا يدركه هو في فعله ولكن عند البحث المعمق المبني على اساس دراسة علم النفس التحليلي وتطبقها على الحدث نجد هناك اجابات على تساؤلات قد تكون محيرة حول الاسباب لاتخاذ هذا او ذاك من القرارات الحاسمه التي قد تؤثر على تطور او انكسار شعب ما او بلد ما. اذ ان دارسة التاريخ السياسي يتطلب تحليلا نفسيا معمقا لأولئك السياسيين الذين اتخذوا القرارات التي اثرت في المتغيرات السياسية.

العلم الذي يدرس هذا التحليل يسمى بعلم النفس السياسي والذي برز منذ نهايات القرن الثامن عشر ولكنه تبلور كعلم ومنهج في اواسط ونهايات القرن التاسع عشر. اليوم اصبح هذا العلم منتشر الاستعمال في تقييم الاحداث السياسية وقادتها لكي يستطيع الدارس فهم الجوانب الخفية الانسانية والتفاعلات النفسية عند هذا او ذاك من السياسيين الذين ساهموا بهذا الفعل السياسي .

في الغالب يعرف علم النفس السياسي على انه مجال اكاديمي متعدد الاختصاصات، يقوم على فهم السياسية والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي. وتعتبر العلاقة بين السياسة وعلم النفس ثنائية الاتجاه فيستخدم العلماء علم النفس كمرآة لفهم السياسة، وكذلك السياسة مرآة لعلم النفس. ويعد هذا العلم مجال متعدد الاختصاصات، لأنة يأخذ مادته من مجموعة واسعة من التخصصات الأخرى، بما في ذلك: علم الانسان ، وعلم الاجتماع والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والفلسفة، والقانون.

اهم رواد هذا العلم على مر العصور الاخيرة هم كثر سأحاول ايراد بعضا من والذين اثروا على تطوير هذا العلم. العالم الفرنسي في علم الاجناس ادولف باستيان (١٨٢٦ -١٩٠٥م) كان اول من استخدم مصطلح علم النفس السياسي في كتابه (رجل في التاريخ الصادر عام .١٨٦٠ ) في تحليله لكومونة باريس والأحداث التي رافقتها وكذلك قادتها.وكذلك الاعمال الهائلة لغوستاف لوبون (١٨٤١-١٩٣١) وخاصة عمله سيكولوجية الحشود (١٨٩٨م) وكتابه في علم النفس السياسي (١٩١٠).

اما في النمسا فكان لسيغمويد فرويد صاحب المنهاج التحليل النفسي دور كبير لاستخدام ادوات هذا المنهاج لدراسة الظواهر السياسية وقادتها وذلك من خلال العديد من المؤلفات على سبيل المثال لا الحصر (سيكولوجية الجماعة) وكذلك تحليل الانا ١٩٢١.

اما في المانيا فكان هناك باحثون كثر على سبيل المثال تيودور ادورنو (١٩٠٣- ١٩٦٩م) والذي اعطى منهاج لتحليل النزاعات السلطوية وتحديد نوع الشخصية وأثرها في القرارات. اما في الولايات المتحدة فقد كان هارولد لاسويل (١٩٠٢- ١٩٧٨م) اسهامات كثيرة منها كتابه ( الامراض النفسية والسياسة ١٩٣٠م).

علم النفس السياسي لم تكن له حظوة كبيرة عند الدارسين العرب ولكن كانت هناك اسهامات كبيرة تتناول منهاجية هذا العلم من خلال مؤلفات تدرس مراحل سياسية مختلفة في بلدان العالم العربي منها بحوث تاريخية وأخرى صحفية كان جزء منها يعتمد على اساس التحليل النفسي للقادة و الزعماء واهم هذه الكتب برأي هو كتاب الكاتب الكبير الاستاذ محمد حسنين هيكل (خريف الغضب ١٩٨٣م ) والذي حلل الاحداث التي جرت في مصر في عهد الرئيس السادات مستخدما منهج علم النفس السياسي في تحليل شخصية الرئيس السادات وخلفيته الاجتماعية وشخصيته وعلاقتها بالقرارات المصيرية التي اتخذها والتي كانت نتائجها مؤثرة على عموم العالم العربي والمنطقة وخاصة حرب ٧٣ وكذلك قراره بزيارة اسرائيل وغيرها من القرارات الداخلية والتي حسب الكتاب تعود للخلفية المعقدة الاجتماعية والنفسية لهذا الرئيس.

من اشهر الذين كتبوا دراسات في هذا المجال كان الدكتور الاستشاري في الطب النفسي محمد المهدي في كتابه الموسوم (علم النفس السياسي ) المنشور عن مكتبة الانجلو المصرية عام ٢٠٠٧ في القاهرة. في هذا الكتاب اعطى المؤلف ملامح لهذا العلم وأشار في صفحته العاشرة في مقدمة هذا الكتاب الى ازمة دراسة الشخصية السياسية في العالم العربي حث كتب " يجد الباحث العربي صعوبة في الحصول على دراسات او كتب في هذا المجال الحيوي على الرغم من وفرة كل ذلك التراث الاجنبي، وقد يكون لهذا دلالة تعكس قدر الاهتمام ومساحة التطبيق، فالعلوم الحقيقية تنشأً حين تجد قاعدة انطلاق في النفوس ومساحة لتطبق في حياة الناس اليومية" . اذ وحسب هذا الرأي فان خلو العالم العربي من الديمقراطية الحقيقية وحرية الرأي يؤديان الى عدم توفر قاعدة للانطلاق لمثل هكذا علوم ولا وجود لمساحات تطبيقية في الواقع الحالي تجعل مثل هكذا علوم محدودة الاثر في تفسير واقعنا العربي الاجتماعي والسياسي .

انني ارى ان ما اورده د. محمد المهدي ينطبق كثيرا على الدراسات التي تناولت تاريخ الدولة العراقية الحديثة، حيث هناك الكثير من دراسات للسير الذاتية للسياسيين العراقين ولكنها كانت فقط تهتم بسرد الاحداث ودور السياسي موضوع البحث فيها دون الخوض بالمسببات لهذا او ذاك من القرارات المصيرية التي قام بها هذا السياسي. اما المذكرات فاغلبها له الطابع السردي وتعظيم لدور هذا السياسي في التأثير على الاحداث. اما المؤرخون فهم كثر منهم من هو المتخصص الاكاديمي ومنهم من اراد اصباغ هذه الصفة له قاموا بتوثيق جزء مهم من تاريخ الدولة ورجالها ولكن دورهم كان في الغالب الربط بين الاحداث وتدوين الوقائع وقلما تناولوا المسببات الشخصية او النفسية لهذه القرارات إلا ما ندر. ان تحليل التاريخ من خلال الخوض في شخصية القائمين على الحدث او المجاميع البشرية يتطلب منهاج علمي واضح المعالم لكي يكون التقييم حيادي قدر الامكان دون الاقلال من دور كل من هؤلاء السياسيين بناء على اهواء الكاتب السياسية او الثقافية.

نحن ندرك بأن ليس هناك تحليل مجرد ولكن لكي نفهم تأريخنا والأحداث السياسية التي مر بها عراقنا خلال المائة عام المنصرمة علينا تحليل الاحداث من خلال تحليل الوقائع الانسانية والنفسية التي احاطت بالحدث . على سبيل المثال وليس الحصر ان تحليل واقعة احتلال الكويت من قبل نظام صدام حسين يعتبر من الاحداث المهمة تاريخيا لان نتائجها اثرت على العراق تأثيرا هائلا ادى الى تدمير كل ما بقى من انجاز لهذا النظام بعد حربه المجنونة ضد ايران. ان تحليل احتلال الكويت درس من قبل الكثيرين من الباحثين والكتاب العراقيين والعرب والأجانب ولكني لم اجد تحليل عن واقع الحالة النفسية لصدام في قراره الذي فاجأ فيها حتى اقرب اعوانه ، اذا لا يمكن ان لا يكون لوضعه النفسي و شخصيته اثر في هذا القرار وكذلك لماذا الاصرار على البقاء في الكويت رغم التحذيرات الكثيرة التي جاءته بسب مغبة استمراره في الاحتلال. اذن علينا ان نعرف الذي يدور في عقل هذا الرجل ليرفض وماذا اراد من قرار البقاء رغم معرفته الدقيقة بالنتائج الوخيمة لهذا القرار ليس على الدولة ككل بل حتى عليه شخصيا وعلى نظامه بصورة عامة.

الاحداث قد تكون كثيرة لا يتسع هذا المقال لذكرها ولكن حدث اخر اود ان اذكره كمثال من عصر اخر وهو اقدام الزعيم عبد الكريم قاسم على اعدام رفاق له من الضباط الاحرار لأنهم تأمروا عليه في الوقت الذي عفى عن اولئك الذين تعرضوا له بالأسلحة النارية في محاولة لقتله. قد نختلف في تقيم هذه القرارات بناء على من يتصدى لتحليلها، فقد يذهب البعض لتصويرها على انها دليل ارتباك في الشخصية ولكن هذا التحليل يبقى سطحي اذا لم تتم دراسة نفسية الزعيم وشخصيته والعوامل التي اثرت في هذا او ذاك من القرارات.

ان اسناد كل الاحداث التاريخية فقط لنفسية وشخصية قادة الحدث لن يعطينا تحليلا علميا للحدث وذلك لان الحدث التاريخي له مسببات كثيرة وعوامل تتفاعل اثناء الحدث قد يكون احد جوانبها هو الوضع النفسي لقائد تلك المرحلة المسؤول عن القرار. اذا ليس لعلم النفس السياسي ان يعوض عن الدراسات الاجتماعية والتاريخية والثقافية لأي حدث ولكنه عامل مهم لفهم الحدث من منظور اخر. اذن دعوتي الان لكي ندخل منهاجية علم النفس السياسي وأدواته في قراءتنا لتاريخ دولة العراق الحديث لأنه بتقديري سيضيف الى التحليل التاريخي جوانب مهمة يمكن الاستفادة منها لبناء حاضر ومستقبل عراقنا الغالي .